الرئيسية » إسلاميات » في نقد الإمامية الإباضية

في نقد الإمامية الإباضية

أدانت محكمة أمن الدولة جميع المتهمين في قضية التنظيم السري المحظور بالتحضير لقلب نظام الحكم القائم فى البلاد بقوة السلاح بقصد إحلال نظام حكم الإمامة بدلاً منه وذلك بإنشاء تنظيم سري محظور اشتمل على مجلس أعلى ومجالس ولجان فرعية أخرى موزعة على العديد من ولايات السلطنة

وفي يوم الخميس الثاني من جمادى الاولى 1426 هـ الموافق 9 يونيو 2005م تفضل حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، فأصدر عفواً عن السجناء المدانين في القضية الأمنيّة المتعلقة بالتنظيم السري المحظور وعددهم 31 شخصاً، وكانت محكمة أمن الدولة قد قضت بإدانة المذكورين بتهمة محاولة قلب نظام الحكم بالقوة وأصدرت أحكاماً بسجنهم مدداً تراوحت بين سبع وعشرين سنة هل انتهت القضية من كافة جوانبها؟ ألا يمكن أن تعود مرة أخرى لتنفجر من جديد وتدمر منجزات النهضة؟ كيف تم علاجها؟ هل العلاج الأمني والعفو ناجعان في مثل هذه القضايا؟ لماذا يقتصر الحل على رجلي السياسة والأمن؟ أين دور المثقف التنويري والفكري في المساهمة في حل مشكلات الوطن؟ هل هي من اللامفكر فيه أم من المستحيل التفكير فيه في ثقافتنا العمانيّة خاصة في جانبها الديني؟

وحتى نسهم في حل تلك المشكلة حلاً علمياً لا بد لنا من بيان أسبابها العميقة، كما هو معروف في أصول حل المشكلات، لكننا لا نقصد في هذه الدراسة بيان جميع الأسباب التي أدت إلى تشكيل هذا التنظيم، مقتصرين فيها على ما نظنه أبرزها، وهو المتخيل الديني للإمامة باعتبارها “ركن من أركان الإيمان والإسلام”،”وإقامتها إقامة للدين”، “ووجودها وجود للدين الإسلامي”.

حتى نجيب على إشكاليتنا- التي نصوغها كالتالي: ما الذي يدفع مجموعة من المواطنين لمحاولة استعادة الإمامة بدل النظام القائم، وهم في ذلك “يتوهمون” قيامهم بواجب شرعي، بل إقامتهم لها إقامة للدين الإسلامي ذاته، هل الإمامة بكل تلك القداسة؟- سنقوم بتفكيك هذا المتخيل من خلال بيان جذور تكونه التاريخية السياسية والاقتصادية، والرجوع إلى جذور نظرية الإمامة عند الإباضية، وإلى واقعها التاريخي وكيف طبقت.

(1)المتخيل الديني والاجتماعي للإمامة

 

أ-تعريف المتخيل ودوره:

تقول إفلين باتلاجين متحدثة عن المتخيل:”إن كل ثقافة لها متخيلها الخاص ومن خلالها كل مجتمع، وربما كل مستوى من مستويات مجتمع مركب له متخيله، وهو يتكون من جملة من التمثلات التي تفيض على الحد الذي وضعته الملاحظات الناتجة من التجارب، ومن تسلسل الاستنباطات التي تسمح له هذه الملاحظات بالوجود”، ويعرفه هاشم صالح:” مجموعة التصورات والصور التي تملأ وعي الفرد والجماعة تجاه شيء محدد أو جماعة أخرى”. وهو يلعب دوراً كبيراً في دفع الإنسان للقيام بأعمال ربما تكون في كثير من الأحيان مخالفة لعقل الواقع ومنطق والأشياء.

ب- متخيل الإمامة من خلال تحفة الأعيان:

يرجع اختيارنا لكتاب تحفة الأعيان للسالمي في نجاحه-طبعاً مع عوامل أخرى- في توظيف “المتخيل الديني حول الإمامة” من خلال التاريخ في بعده التعليمي المذهبي في إعادة إحياء الإمامة الإباضية عام 1913/1332.

وسنقوم في هذا الموضع نظراً لاعتبارات معينة بسرد الكثير من النصوص الناطقة بذاتها، والتي لا تحتاج إلى تدخل كبير منا، بالشرح أو التفسير أو التأويل، فلنترك النصوص تتكلم بنفسها وبغير قيود، إلا ما يقتضيه الجانب المنهجي.

-الإمامة واجب شرعي، إقامتها تعني إقامة الدين، وهي مشربة بروح النظم الشرعية، ومرجعيتها ما كان عليه الخلفاء الأربعة الراشدين:     “… ثم خذلوه وتركوه-يقصد راشد بن النظر- ثم خلعوا معه الإمامة وفرضها، وما أوجب الله تعالى فيها على أهلها لعبا ولهواً، كلما أرادوا رجلاً ببيعة صافقوه ثم خذلوه، حتى بايعوا ست عشرة بيعة أو أكثر لم يفوا بواحدة، ولا ساروا بحق الإمامة ولا اتبعوا من قدموه في بيعتهم سبيل الأسلاف من المسلمين”  وذلك أن الإمامة العمانية مشربة بروح النظم الشرعية التي يجري عليها الأئمة، وهي الحكومة المبنية على الشورى وانتخاب الإمام والعمل بالشريعة ورد كل شيء إلى حكمها حسب ما كان عليه الخلفاء الأربعة الأول

 

-الإمام مؤيد من الله عزوجل بالتوفيق ومنار له معالم التحقيق، وتظهر عليه الكرامات، وجنود الله أنصاره، وهو سبب لظهور الإسلام وقوته:

فإذا كان الأمر هكذا فينبغي لإمام المسلمين أيده الله بالتوفيق وأنار له معالم التحقيق

فعند ذلك عقدوا الإمامة للجلندى بن مسعود, فكانت سبباً لظهور الإسلام وقوة شوكته وكان عادلاً مرضياً

 

كان الوارث يسكن قرية هجار من بني خروص، وكان يرى الرؤيا في نومه على ظهور الحق على يده, وأنه كان ذات يوم يحرث في زرع له فسمع صوتاً يقول له: اترك حرثك وسر إلى نزوى وأقم بها الحق، ثم ناداه ثانية وثالثة بذلك, فقال الوارث ومن أنصاري وأنا رجل ضعيف؟ فقيل له أنصارك جنود الله، فقال: إن كان حقاً فليكن مصاب مجزي هذا ينبت ويخضر من الشجرة التي أصله منها فغرسه في الأرض فنبت شجرة لومي”

“.. وقبر الإمام بعد أنْ يبس الوادي، بين العقر وسعال، وقبره معروف مشهور، وكان كلما سال الوادي جارفاً يدور بقبره ولم يضر بقبره, فكانت هذه كرامة ظاهرة”

 

-أوضاع الدولة عند زوال الإمامة شر مطلق فلا وجود للخير والأخيار، وشيوع الشر والأشرار، وانتشار الجهل ومحبة الدنيا، بل والضلال والارتداد على الأدبار:

 

فلما زالت عنهم الإمامة لأمر أراد الله إبرامه ذهبت الأخيار وبقيت الأشرار، وتهاونوا في العلم والتعليم ومالوا إلى الدنيا، فركبهم الجهل، فطبع على قلوبهم بسبب ذنوبهم، وأتتهم العلماء المخالفون بالحجج الباطلة، فتخيلوا السراب ماء لطموس البصيرة، وتمكنت من أزمة قلوبهم، فسلكوا بهم طريقهم الضلالة، كما سلك الذود بين قائد وسائق فارتدوا على أدبارهم والعياذ بالله”

 

-والأئمة مثاليون عادلون فاضلون صادقون، وحتى لو “أحدثوا” فيجب أن نبحث لهم عن مخارج، حتى لو خالفت الدين:

قام المهنا بالحق ما شاء الله إلى أن مات, والمسلمون له مجمعون وبأمره يعملون، والولاة في أيامه هم الصادقون؛لم نعلم أن أحدا أظهر عليه منكراً”    “…وكذلك لا يحل لمن كان في ذلك الزمان أن يظهر البراءة منه عند العامة ولو علم من الأسباب ما يستوجب به البراءة”

هذا هو متخيل الإمامة كما رسمه السالمي: الإمامة واجب شرعي، إقامتها تعني إقامة الدين، وهي مشربة بروح النظم الشرعية، ومرجعيتها ما كان عليه الخلفاء الأربعة الراشدين،الإمام مؤيد من الله عزوجل بالتوفيق ومنار له معالم التحقيق، وتظهر عليه الكرامات،وجنود الله أنصاره، وهو سبب لظهور الإسلام وقوته، والأئمة مثاليون، وحتى لو “أحدثوا” فيجب أن نبحث لهم عن مخارج حتى لو خالفت الدين والتاريخ، وأوضاع الدولة عند زوال الإمامة شر مطلق فلا وجود للخير و للأخيار، وشيوع الشر والأشرار، وانتشار للجهل ومحبة الدنيا، بل والضلال والارتداد على الأدبار.

جذور النظرية السياسية الإباضية

يتضح من خلال صورة متخيل الإباضية للإمامة، أنه يتركز على ناحيتين؛ شرعية وتاريخية، اكتسب من خلالهما أهميته وقوته التأثيرية الفاعلة التي نجحت في استقطاب الكثير من الأتباع في مراحل تاريخية مختلفة، فنبدأ بتحليل الجانب الأول؛ الجانب الشرعي.

 

أ- أدلة مشروعية الإمامة عند الإباضية:

يرى الإباضية أن الإمامة فرض واجب، وقد ثبتت فرضيتها من الكتاب والسنة والعقل،أما أدلة القرآن فهي:

وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) آل عمران 104

-“إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا” النساء 58-59

– ” يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ” النساء 59

– ” وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ” سورة النور 8

-“وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ” سورة السجدة 24

أما الأدلة من السنة النبوية فهي:

– ” سبعة يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله؛ إمام عادل … ”

-” كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته …”

-“تخيروا لإمامتكم”

-“أطيعوهم ما لم يمنعوكم الصلوات الخمس”

أما الدليل العقلي فهو أن الله شرع في القرآن أحكاماً لا يتصور تنفيذها دون وجود دولة تتولى تنفيذها كقتل القاتل وقطع اليد، ومعاقبة الساعي في الأرض فساداً وغيرها من الأحكام التي تستلزم وجود سلطة تطبق ما شرع الله.

ب-الإباضية وقرشية الإمام:

“الواقع أن الإباضية لا يرون اشتراط القرشية في عقد الإمامة،…، إنما الخلافة حق مشاع بين جميع من تتوفر فيه الكفاءة المرجوة من المسلمين عامة،…، أما حديث الأئمة من قريش فيحمله الإباضية من باب الترجيح باعتبار ما كانت عليه قريش في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من مكانة وسيادة بين قبائل العرب

والواقع أنه ليس الإباضية أو الخوارج هم أول من قال بعدم حصر الخلافة في قريش”وإنما سبقهم إليه كبار الصحابة عندما ناقضوا أول خليفة في الإسلام فقد قال بعض الأنصار للمهاجرين منا أمير ومنكم أمير، ولو لم يكن الأنصار يعرفون أنه يجوز أن يتولى الإمارة غير قرشي لما قالوا ذلك”

في كتابه الأحكام السلطانية والولايات الدينية يذكر الماوردي سبعة شروط لأهل الإمامة، والسابع منها النسب؛ أي أن يكون من قريش، ويدلل على هذا الشرط بورود النص فيه وانعقاد الإجماع عليه، يقول:”..لأن أبا بكر-رضي الله عنه- احتج يوم السقيفة على الأنصار في دفعهم عن الخلافة لما بايعوا سعد بن عبادة عليها بقول النبي-صلى الله عليه وسلم-:”الأئمة من قريش ” فأقلعوا عن التفرد بها ورجعوا عن المشاركة فيها(أي الإمامة فيها)، حين قالوا: منا أمير ومنكم أمير، تسليماً لروايته وتصديقاً لخبره، ورضوا بقوله: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، وقال النبي-صلى الله عليه وسلم:”قدِموا قريش ولا تقدَموها”..”

ويقول الشهرستاني:”..وإنما سكتت الأنصار عن دعواهم-أي مطالبتهم بالخلافة والحكم-لرواية أبي بكر عن النبي عليه الصلاة والسلام الأئمة من قريش]” ويقول الأشعري:”وأرادوا عقد الإمامة لسعد بن عبادة..فأعلمهم أبوبكر أن الإمامة لا تكون إلا في قريش واحتج عليهم بقول النبي الإمامة في قريش، فأذعنوا لذلك منقادين ورجعوا إلى الحق طائعين، بعد أن قالت الأنصار منا أمير ومنكم أمير”

وأيضا فمن المشهور أن عمر جعل الخلافة شورى في ستة من الصحابة كلهم من قريش، ولم يعترض عليه أحد من الصحابة فصار بمنزلة الإجماع على قرشية الإمام أو الخليفة.

وهنا نتساءل ألا يخالف الإباضية الإجماع- وهو المصدر الثالث للتشريع عندهم، وهو هنا إجماع الصحابة، مما يمثل أعلى درجاته- في قرشية الإمام أي الحاكم، مستندين على تأويل حديث”الأئمة من قريش” مع أولوية الدلالة الأقرب للحديث لوضوحها ولعدم وجود قرينة تصرفها عن المعنى القريب، ألا يفتحون بذلك التأويل الباب إلى رد الكثير من الأحكام متى ما خالفت ما يريدون؟

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى الخاصة بالأدلة الشرعية من القرآن والسنة والعقل، فنتساءل:

هل تدل هذه الآيات والأحاديث دلالة قاطعة لا مجال للاجتهاد فيها والخلاف عليها على أن الإمامة فرض واجب، ويجب أن يختار الإمام بالطريقة التي يختار بها الإباضية أئمتهم؟

أما الأدلة من الآيات والأحاديث التي يستشهدوا بها فهي ليست ذات دلالة قاطعة أي هي ظنية الدلالة حيث نزلت في مناسبات وسياقات مختلفة وليست للتشريع للإمامة العظمى، لكنهم اجتهدوا في تأويلها لصالح نظرية الإمامة والحكم، أما بالنسبة لدليل العقل فهو دليل ظني غير قطعي، وقابل للتغير متى ما تغيرت العقول والظروف.

في كتابه السلطة في الإسلام يرى عبد الجواد ياسين أنّ النظرية السياسية في الإسلام نظرية وضعية لم يؤسسها النص الشرعي،بل التاريخ. وقبل ذلك توصل علي عبد الرازق في كتابه الإسلام وأصول الحكم إلى أن ما يسمى الخلافة الإسلامية لا يقوم على أساس شرعي لا من القرآن ولا من السنة، فهي غير شرعية والإسلام منها بريء.

إذن ما الأسباب الحقيقية أي التاريخية التي خلقت النظرية السياسية عند الإباضية ووجهتا تلك الوجهة وصبغتها بهذه الصبغة من المبادئ والأحكام؟

ترجع جذور نشأة نظرية الإمامة الإباضية لفترة حكم عثمان، وفي قراءته لرسالة ابن إباض لعبدالملك بن مروان، يوضح عبدالملك الهنائي الأسباب التي دعت الثوار للخروج على عثمان، يقول:”مما تقدم يتضح أنّ الخروج أو ما يسمى في الوقت الحاضر بالثورة على عثمان لم تكن ثورة دينية بحتة، فبالرغم من أن أول شيء ذكره ابن أباض مما ينقم على عثمان هو أنه منع مساجد الله أن يقص فيها كتاب الله، فإن ما أوردته الرسالة لاحقاً يدور كله حول الحمى وتوزيع الصدقات والاكتناز ووضع قيود على التجارة لذلك فهي بكل المقاييس ثورة القبائل العربية ضد هيمنة قريش واستئثارها بالسلطة والمال، كما أنها ثورة المقاتلة ضد السياسة المالية التي اتبعها عثمان، وهي ثورة الأمصار ضد الحجاز والمدينة، فهو يرى أنّ السبب الحقيقي هو سياسات عثمان الاقتصادية واستئثار قريش بالسلطة، وتمرد العسكر، والتجاذب بين المركز والأطراف، وليس سبباً دينياً صرفاً، وهذا الخروج أو الثورة كان البداية الحقيقة لتكون النظرية الإباضية في الحكم، من حيث خلقها للمبررات التاريخية، لقيام فكر معين.

ونخلص هنا إلى أن قضية الإمامة قضية خلافية كان للواقع التاريخي الدور الأكبر في شرعنتها عند كل جماعة أو مذهب إسلامي، فقد توفي النبي عليه السلام ولم يترك نص لا من القرآن ولا السنة قاطعاً-لا يختلف في الاستدلال به أو عليه- في طريقة اختيار الإمام أو الحاكم، ولا في إقامة الإمامة ذاتها، وكان مصدر التشريع في هذه القضية العقل البشري والظرف السياسي والتاريخي والاقتصادي، ومصلحة كل فرقة أو جماعة.

 

(3)الإمامة في التاريخ طوباوية النظرية وواقع التطبيق

في كتابه عمان الديمقراطية الإسلامية، يدرس حسين غباش تقاليد الإمامة الإباضية وتاريخها، ويصفها بالديمقراطية الإسلامية، التي تواصلت ما يقارب ألف ومئتين عام بكل ايجابياتها، ويفسر جوانبها المختلفة من خلال استخدام مفاهيم الحكم الديمقراطي الحديث؛كالدستور والمواطنة واستقلال القانون.. وغيرها، وفي هذا المجال نناقشه في قضيتين؛ الاستمرار، واستخدام المفاهيم الحديثة لتفسيرها.

يرى غباش أنّ الإمامة استمرت ما يقارب 1200 سنة خلا بعض فترات الانقطاع، وهو يريد أن يقول أنّ الاستمرار هو الأساس، والانقطاع عرضي، لكن بالرجوع للتاريخ، سنرى أنّ الانقطاع والفوضى والحرب الأهلية هي المستمر

لنأخذ الفترة من عام 132هجري إلى عام 1741وهو العام الذي اختير فيه الإمام أحمد بن سعيد-لتحول الحكم للنظام السلطاني بعده-، ونقسمها إلى الفترات التالية:

-132هـ -134هـ استمرار،

-134هـ-179هـ انقطاع،

-179هـ-272هـ استمرار،

-272هـ – 1110هـ وجود إمامتين منتاحرتين وهو مخالف لرأي المذهب الرسمي، بالإضافة لحكم ملوك بني نبهان، والغزو البرتغالي،

-دولة اليعاربة 1624-1688 انتخاب الأئمة،

-1688-1718 انتخاب بلعرب بن سلطان،

-1718-1737 حرب أهلية،

-1737-1741 الغزو الفارسي،

1741 بداية حكم آل سعيد.

يلاحظ القارئ أن الانقطاع والفوضى والحروب القبلية والأهلية والاحتلال الخارجي هي السائدة في الفترة الممتدة من عام 132/ إلى /1741

ربما كانت الفترة من عام 179هـ إلى 272هـ فترة “ذهبية” للإمامة، فقد تواصلت من خلال الأئمة الوارث بن كعب وغسان بن عبدالله وعبدالملك بن حميد والمهنا بن جيفر والصلت بن مالك إلى عام 272هـ، وبعد انقطاع لعدم وجود إمامة بالمعنى الشرعي الإباضي لقرون، يأتي اختيار ناصر بن مرشد إماماً عام 1624، ومن بعده سلطان بن سيف عام 1649… إلى عام 1688، عام انتخاب بلعرب بن سلطان، “هذا الانتخاب أدى عملياً إلى تبني نظام سلالي، وكذلك إلى خرق التقاليد الإباضية” كما يقول مؤلف الكتاب، ودور العلماء هو شرعنة حكم الإمام وليس اختياره اختياراً شرعاً كما تنص الأحكام الشرعية أو التقاليد .

أين الاستمرار الذي يريد أن يوهم به القارئ ؟

نعود لمناقشة هذه الفترة”الذهبية” من تاريخ الإمامة، ونتساءل هل تم تطبيق ما تنص عليه أبرز بنود نظرية الإمامة من خلال مبدأي الإجماع والتعاقد/الشورى والبيعة؟

1-اختيار غسان بن عبدالله عام 192هـ والإجماع:

“قال أبو زياد: لما غرق الوارث بن كعب رحمه الله قال سليمان بن عثمان لمسعدة بن تميم عند فلج ضوت في البطحاء نكتب إلى أهل السر يأتون, قال مسعدة إنما يريد ابن عثمان أن نؤخر هذا الأمر حتى يجتمع إلينا الناس, أو قال غوغاء الناس فيختلفوا علينا، ولكنا نقطع الأمر”

أين الإجماع، ما هو الدور الحقيقي للناس أو الأمة؟ أليست البيعة مجرد إجراء شكلي يهدف إلى إخضاعهم، وليس موافقتهم، أو على الأقل استشارتهم؟

2-المهنا بن جيفر:

– ملك أم إمام

“كان المهنا رجلاً مهيباً، وكان له حزم في رأيه، وكان لا يتكلم أحد في مجلسه ولا يعين خصما على خصم, ولا يقوم أحد من أعوانه ما دام قاعداً حتى ينهض، ولا يدخل أحد العسكر ممن يأخذ النفقة إلا بالسلاح، وكان له ناب يفتر عنه إذا غضب فتظهر منه هيبة عظيمة”

 

-رفض المهنا قرار العزل

“قال عبدالله بن جعفر الضنكي : كان الإمام المهنا قد أسن وكبر حتى أقعد، فاجتمع إلى موسى جماعة من الناس- وهو يومئذ قاض- فقالوا له: إن هذا الرجل قد أسن وضعف عن القيام بهذا الأمر ؛ فلو اجتمع الناس على إمام يقيمونه مكانه كان أضبط وأقوى على ذلك, فخرج موسى بن علي حتى وصل إلى الإمام، فلما دخل عليه جعل يسأله وينظر حاله، فعرف الإمام معناه، فقال يا أبا علي: جئت إلىّ والله لأن أطعت أهل عمان على ما يريدون لا أقام إمام معهم سنة واحدة, وليجعل لكل حين إمام يولون غيره ارجع إلى موضعك فما أذنت لك في الوصول ولا استأذنتني ولا تقم بعد هذا القول”

-براءة محمد بن محبوب وبشير بن المنذر من الإمام المهنا:

“قال أبو الحواري : كتب بعض المسلمين من أهل العلم إلى بعض أنه حدثه بعض من لا يتهمه أن محمد بن محبوب والوضاح بن عقبة وسعيد بن محرز وغيرهم من أعلام المسلمين رحمة الله عليهم أجمعين اجتمعوا ذات يوم وكتبوا كتابا قالوا فيه: إلى من بلغه كتابهم من المسلمين من أهل عمان ؛ سلام عيكم , فإن نعلمكم أنه قد كان من فلان الإمام ؛ يريدون أن يظهروا لهم ما قد ظهر لهم ؛ ويعلونهم أنهم لا يتولونه على ذلك ولا يتولون من علم منه ذلك.

ثم جاءهم أبو المؤثر الصلت بن خميس رحمه الله فقال لهم: أرأيتم من كنتم تتولونه من أخوانكم وهو متمسك بولاية هذا الإمام الذي قد ظهر لكم منه ما قد ظهر؛ أليس هم على ولايتهم معكم حتى تقوم الحجة عليهم بمعرفة حدثه أو بإقامتكم الحجة عليهم بالذي كان منه؛ فإن نسألك بالله يا أبا عبدالله لما أمسكتم كنا بكم, فإنه لا يعدم من مجادلة فتفترق أهل عمان”

3- الصلت بن مالك اعتزال/ عزل الصلت واختلاف العلماء:

وفي عام 272هـ تم عزل/اعتزال الإمام الصلت، وقد اختلف الناس في ذلك اختلافا كثيراً, فمن عذر موسى وراشداً في خروجهما-أي الإنقلاب على الصلت بالتعبير المعاصر- ذكر أسباباً تسوغ لهما صنيعهما, ومن خطأهما على ذلك ذكر أسباباً منكرة وأحوالاً غير جميلة, وكثرت في ذلك الدعاوى.

ثم ظهرت أناس بعد ما مضى ما شاء الله من الزمان، وبعد انقراض تلك العصور فغلوا في أمر موسى وراشد, وأوجبوا البراءة منهما على الناس، ورأس هذه الفرقة وعميدها الذي اشتهر فيها أبو محمد عبدالله بن محمد بن بركة، ومن أخذ عنه من أهل عمان منهم أبو الحسن علي بن محمد البسياني، وتبعهم على ذلك خلق وسميت فرقتهم الرستاقية.

وممن اشتهر في الرد عليهم أبوعبدالله محمد بن روح بن عربي وأبو سعيد محمد بن سعيد الكدمي, وفي الرد عليهم ألف كتاب الاستقامة بأسره, وتبعهم على ذلك وسميت فرقتهم النزوانية.

هذا على المستوى الفكري الذي لم يكن منبتاً عن الواقع بطبيعة الحال، فقد تجسد هذا الاختلاف في واقع التاريخ العماني حيث وجد في فترات تاريخية إمامتين متناحرتين.

لمن يرجع الناس عندما يختلف العلماء أهل الحل والعقد؟

ليس سوى الحرب الأهلية المدمرة، والاحتلال الخارجي من قبل الآخرين.

المفاهيم الحديثة وتسويق الوهم

وظف الباحث مفاهيم حديثة في النظرية السياسية كالدستور والأمة والمواطنة والإجماع-بالمعنى السياسي-التعاقد والفصل بين السلطات..إلخ، مما أدى إلى سقوطه في مغالطات تاريخية كبيرة بالرغم من أنه أعلن في بداية الدراسة من أن البحث لا يهدف إلى اختزال التجربة الإباضية بمقارنتها بالديمقراطية الغربية، وإلا أنه سيسقط في مغالطة تاريخية، لا أدري ماذا يعني استخدامه لتلك المفاهيم الحديثة التي تكونت في بيئات ثقافية وتاريخية أخرى، سوى ممارسة إسقاطية، ووقوع في مغالطة تاريخية، بل عدة مغالطات كبرى، ومن أبرز مغالطاته التاريخية ما يلي:

“.. وكان التطبيق الدقيق لمبادئ الإجماع والتعاقد الضامن للفصل بين السلطتين التشريعية والتنفيذية”

“وكل مس بهذا الفرد المواطن الإنسان هو مس بأمته وبمجتمعه..”

“لقد دخلت الديمقراطية إلى عمان، مع المذهب الإباضي أي مع الدين، وهذا الشكل من الديمقراطية الأول من نوعه في العالم”

لا يخفى على القارئ مدى المغالطة التاريخية في الأمثلة السابقة، فهل كان يوجد فعلاً سلطة للتشريع وسلطة للتنفيذ وأخرى للقضاء كما هو معروف اليوم،حتى يستطاع الفصل بينها، وهل يمثل العلماء سلطة للتشريع في الدين الإسلامي، أليس هذا تعدياً على سلطة التشريع الإلهي حيث لا مشرع في الإسلام إلا الله عز وجل؟

وفي المثال الثاني نتسائل هل كان هناك وجود لمفاهيم مثل فرد/ مواطن – أمة/ مجتمع، حتى توجد هذه العلاقة بين الجانبين؟

وفي المثال الثالث فات الباحث أنّ مبدأ الشورى كان معروفاً قبل الإسلام، جاء في كتاب شبه الجزيرة العربية بين أسباب الصعود وأسباب النزول:”الشورى نظام اجتماعي بشري كان مطبقاً قبل الإسلام بمعرفة القبائل في شبه الجزيرة العربية مئات الأعوام”

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*