الرئيسية » فكر وأدب » إسماعيل مظهر المفكر الذي طالب بحزب الفلاحين
16361_660_489858_opt

إسماعيل مظهر المفكر الذي طالب بحزب الفلاحين

شعبان يوسف:

لا أعرف لماذا لم يأخذ المفكر والأديب والعالم اللغوى الكبير إسماعيل مظهر حظه من الشهرة والذيوع، مثلما حظى بذلك بعض معاصريه مثل عباس محمود العقاد والشيخ على عبد الرازق وأحمد لطفى السيد ومحمد حسين هيكل وسلامة موسى وإبراهيم عبد القادر المازنى ومحمد مندور وغيرهم من كتّاب ومفكرين وأعلام، أضاؤوا سماء بلادنا بأفكار ونصوص فنية عظيمة، وعملوا على محو الكثير من الخرافات التى كانت تعمل وتسير على قدمين فى الحياة اليومية بين الناس.

كتب الشيخ على عبد الرازق كتابه الإسلام وأصول الحكم عام 1925، وأفسد على الملك فؤاد أحلامه بأن يكون خليفة المسلمين على الأرض، بعد زوالها فى تركيا عام 1924 على يد مصطفى كمال أتاتورك، وعانى عبد الرازق كثيرا من الهجمة التترية التى قام بها ضده الغربان التى تنعق دوما فى فضاء البلاد، ودفع ثمن هذا باهظا.

كذلك كتب الدكتور طه حسين كتابه فى الشعر الجاهلى فى العام التالى 1926، وضرب فيه الرجعيين فى مقتل، وكشف لهم عن منهجه الذى أفزعهم، وترك مناقشوه هذا المنهج جانبا، وأمسكوا فى بعض هوامش الكتاب، ليهدموا أسطورة الرجل الكفيف الذى أتى من أعتى بلاد مصر فقرًا، ليصبح فى مقدمة صفوف المفكرين، وما عرف مهاجموه أنهم يكتبون سطورا أخرى فى بناء أسطورة طه حسين.

وإذا كان على عبد الرازق وطه حسين قد ووجها بحملات ظالمة وقاسية عندما أصدر كل واحد منهما كتابه، فإسماعيل مظهر لم يلق المصير ذاته بالضبط عندما أصدر مجلته التنويرية العصور عام 1927، أى فى العام الذى تلا عامى قضيتى الإسلام وأصول الحكم و فى الشعر الجاهلى ، وجاءت المجلة ملبية لكل الأفكار التى نادى بها عبد الرازق وطه حسين، من حيث المنهج، والكشف عن مواطن الرجعية والتخلف الفكرى فى تلك المرحلة.

وفى 15 مارس عام 1962، أى فى أربعين رحيله، كتب ابنه جلال دراسة طويلة فى جريدة الأخبار ، واقفا على أواصر العلاقة الأبوية والأخوية، ورابطة الفكر والثقافة التى كانت بينهما، ويبدأ جلال مقاله ببيت شعر قديم يقول:

لم يبق لى فى طريق العمر أحباب خلا الطريق وأحباب الرؤى غابوا .

ثم يقول: هو أبى وكأنه ولدى، كان أخى وصديقى ورفيق حياتى، كان أستاذى ومعلمى ومرشدى، وفى غمضة عين، فى تطويحة عاتية قاسية من تطويحات القدر التى لا ترحم، فقدت هؤلاء جميعا ومات العالم كله من حولى، وأصبح خواء كأنه العدم .

وجلال عندما يرثى والده، هو يعلم تماما قدر هذا الوالد الذى تربى فى كنفه، وتحت رعايته، وعاصر كل أشكال الحياة التى مرّ بها، وتقلب فيها، وعانى من ويلات الخصوم، الذين هاجموه وحاصروه وحاولوا إيذاءه، وإسكات صوته، رغم تجربته السياسية المحدودة، لكن هؤلاء الخصوم يعرفون التأثير الواسع الذى كانت تحدثه أفكار هذا الرجل فى الناس، فإسماعيل مظهر هو الذى ترجم كتاب أصل الأنواع ، وهذا الكتاب هو من ثوابت الكفر والإلحاد عند الرجعيين، وحاملى صكوك ومفاتيح الإيمان، وقد كانت هناك ترجمة أولى غير كاملة، وغير دقيقة تماما، قام بها شبلى شميل، قبل ترجمة إسماعيل مظهر، وعانى شبلى شميل من هؤلاء الرجعيين.

ولم يكتف مظهر بترجمة هذا الكتاب فحسب، بل كتب فى الفكر وفى اللغة وفى النقد الأدبى، وأنشأ المعاجم والقواميس، ثم كانت مجلة العصور ، والتى يقول عنها جلال: وأنشأ مجلته العصور، فى سنة 1927 ليجعل منها الصخرة التى يحطم عليها بيد لا ترحم انحراف الناس عن المثل العليا، أرادها أن تكون المنبر الذى يهدى منه الناس إلى طريق الحق والحرية الإنسانية، وجعل شعارها: حرّر فكرك من كل التقاليد والأساطير الموروثة حتى لا تجد صعوبة ما فى رفض رأى من الآراء، أو مذهب من المذاهب، اطمأنت إليه نفسك، وسكن إليه عقلك ، وهكذا يسترسل جلال فى سرد رحلة والده.

وقبل أن يكشف الابن فى هذه الدراسة عن بضع رسائل كان يرسلها له والده عندما كان يذهب إلى بلد بعيد، كتب عن الحزب الذى نادى به والده فى مطلع حياته العامة، وهو حزب الفلاح، والذى أورد جلال بعضًا من مبادئه، مثل: التسوية بين الناس فى فرص العمل، وإلغاء الامتيازات الأجنبية، وفرض ضرائب جمركية خاصة على الكماليات ومواد الزخرف والرفاهية ، ونشر برنامجه فى مجلته العصور وفى عددى أكتوبر 1929 ويونيو 1930، ولكن حزب الوفد رفض قيام هذا الحزب، أما حزب الأحرار الدستوريين، الذى كان يحكم آنذاك، فقد هاجمه أشد الهجوم، ووصفوه بأنه يدعو إلى نضال الطوائف، وإلى الشيوعية، وأن له صلة بموسكو، وبالدولية الثالثة، ولم تكتف الحكومة بإطلاق رجال صحافتها يهاجمون المشروع وصاحبه بل قبض عليه، وحقق معه بتهمة الشيوعية.

ويكشف جلال عن أن والده عندما تعرض للإفلاس، عمل فلاحا، واستأجر من البنك أرضه المنزوعة ملكيتها، واشترى عدة جواميس، وبنى برجا للحمام، ومزرعة للدواجن، وكان يلبس عباءته، ويسرح إلى الحقل خلف جاموساته وهو يغنى أو ينشد أبياتا من الشعر كعادته!

هذه أطراف من بعض سيرة رجل عظيم، كتب آلاف الصفحات لاستنارة هذا الشعب، وكذلك ينشر جلال بعض رسائل مهمة من والده، كتبها له فى مراحل مختلفة، وتبث أفكارا ومشاعر ومواقف الأب فى موضوعات شتى، أتمنى أن نرى كل ذلك منشورا، وقد علمت بأن الدكتور أحمد الهوارى يعمل على جمع تراث هذا الرجل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*