الرئيسية » إجتماعيات » المأساة السورية في عامها الخامس
image-G0X72GK39B3HQJ7K

المأساة السورية في عامها الخامس

عبد الحميد سلوم:

يقول المثل : ” مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة” .. ولكن هل هذا ينطبق على نماذج الاجتماعات التي حصلَتْ أو ستحصل في موسكو بين الفينة والأخرى لحل المُعضِلة والمأساة السورية !. إن كانت كل الاجتماعات واللقاءات القادمة تشبهُ اجتماع موسكو ما بين 28 و 29 كانون ثاني بين ما سُمّيَ وفدي (الحكومة والمُعارضة ) فمعناها أن الوقت سيطول كثيرا جدا لوضع الأرجل على بداية الألف ميل ، هذا إن وُضِعت .. فلا وفد الحكومة ارتقى لمستوى إمكانية اتخاذ أي قرار حتى في أبسط الأمور ولا وفد المعارضة كان بتلك الأهمية والوزن .. أعضاء الوفدان ، إذا ما استثنينا د. بشار الجعفري هم من الشخصيات المغمورة في الشارع السوري ، وبشّار(وهو زميلي وابن دورتي) يبقى موظفا لا يملك أي قرار ولا يصنع سياسة وإنما يُنفِّذ التعليمات التي ترِدهُ .. ولكنه يبقى دبلوماسيا ناجحا (وخاصّة إن قارنّاه – بـبعض- رؤساء البعثات ممن لا يصلح واحدهم موظف استعلامات على باب السفارة أو لا يعرف كلمة بلغة أجنبية في الدنيا ولكن المحسوبيات وأمراض الدولة المعروفة قذفت به إلى مركزهِ)

إلا أنّ هذا لا يلغي النجاحات الباهرة للدبلوماسية السورية وأبرزها شطب أوروبا (اللعينة) عن الخارطة، وربّما كانت في طريقها لشطب أمريكا وكندا وأوستراليا ونيوزيلاندا وتركيا والسعودية ، ولكن سترُ الله وعفوه جعلها تنفد بريشها .. ولا يخفى على أحدٍ أنّ شطب أوروبا عن الخارطة قد ارتدّ علينا لأن ملايين النازحين منها اتّجهوا نحو بلداننا المتحضِّرة جدا بحثا عن مكانٍ آمن ومُستقر وغير قابل للشطب والمحو، وضاقت بهم المخيمات ، وقضى الآلاف منهم غرَقا في البحار طَمَعا بالوصول إلى الأمن والأمان والرخاء والازدهار ورائحة الحرية والديمقراطية التي تفوح في ربوع ديارنا العربية العامرة ، أكثر مما تفوح رائحة القهوة العربية الأصيلة ورائحة الهيل والبخُّور في مضارب العرب ومضافاتهم

مسيرة التسوية في سورية طويلة بحكم تعقيداتها الداخلية وتشعباتها الإقليمية والدولية ومن يعتقد أنّ عشرات الاجتماعات على شاكلة اجتماع موسكو ستكون الخطوة الأولى في طريق الألف ميل فهو متفائل كثيرا .. فعدا عن التعقيدات والتشعُّبات المُشار إليها فإن طرفي الصراع الإقليميين والدوليين (بعد أن فلتَتْ سورية من يد السوريين كما يفلتُ الطائر من يد صاحبه) باتوا يعتبرون المسألة مسألة (كسر عظم) ، وكلٍّ منهما يسعى لكسر عظم الآخر على الأرض السورية وبينهما تنكسر عظام السوريين ، وربّما لن يبقى عَظمَا سليما لدى مواطن سوري قبل أن تنتهي حرب (كسر العظم) هذه بين الدول الإقليمية والدولية اللاعبة على الأرض السورية المُستباحة التي أصبحت (أرض تسرح وتمرح) لكل من يرغب أن يسرح ويمرح ، ولكن بالطبع ضمن إطار احترام مبدأ السيادة عملا بتعليمات الخارجية

لم يعرف تاريخ الحروب العسكرية الداخلية في أي بلدٍ تسويات بالوكالة عن طريق وفود سياسية لا ثِقل لها في المعارك ولا تقدِّم ولا تؤخِّر ولا تؤثِّر شيئا في معادلة الصراع على أرض الميدان, إلا إن كانت تلك الوفود تمثِّل بشكل رسمي أطراف الصراع المسلّح ومفوّضَة رسميا منها باتخاذ القرار . فبالنسبة (للحكومة) فإن وفدها إلى موسكو يمثِّلها رسميا ولكنّه لم يكن بمستوى اتخاذ أي قرار (وربّما لأنه غاب عنه أحدهم ممن لا يحمل الإعدادية وكان صاحب قرار في وزارته لمدة ثمان سنوات وجلسَ في يومٍ ما على الطاولة مقابل الرئيس التركي عبد الله غول بمناسبة تهنئته بفوزه بالرئاسة)

أمّا وفد المعَارضَة فلم يكن يمثل إلا ذاتهُ وهم ذهبوا كأفراد ولم يكن معترف عليه من قِبَل الجماعات المسلّحة ، ولا حتى من غالبية المعارضة السياسية، بل كانت هناك مُطالبات بفرض عقوبات بحقهم من طرف المُعارضين الآخرين . استمرّت الحرب في لبنان (الشقيق جدا بين الأخوة الأشقاء جدا) خمسة عشر عاما ولم يكن هناك إمكانية لوضع نهايةٍ لها إلا بمشاركة الأطراف المنخرطة مباشرة في الحرب وتتحكّم بأرض الميدان ، فهذه هي من بيدها الحل والربط من جانب المُعارضة (بغض النظر عن التوصيف الرسمي لهم بإرهابيين أم غير ذلك فهم حقيقة موجودة على الأرض ، وحتى المفاوضات مع إسرائيل كانت مع وفد إسرائيلي إرهابي ويمثِّل دولة إرهابية ولكنها هي التي تتواجد على الأرض) ولذا فإن أصحاب الميدان هم أصحاب القرار وليس أصحاب البذلات وربطات العنق ولا صاحبات الماكياج ومساحيق التجميل

فهؤلاء يصلحون لحفلات الكوكتيل ولكن ليس لحلِّ معضلةٍ بحجم المُعضِلة السورية انغمَسَت بداخلها وتمدمدت أيادي كل أخطبوطات البلدان الإقليمية والدولية .. وليس ببعيدٍ عنا جواب جوزيف ستالين عندما قيلَ لهُ إن بابا الفاتيكان اتهمَه باضطهاد الكاثوليك ، فردّ جوزيف ستالين بقولهِ : وكم فيلق يعمل تحت إمرة البابا؟ وبعدها حوَّر الإعلام الأميركي إجابة ستالين ليقول: وكم دبّابة يمتلك البابا؟ والسؤال كم كتيبة أو لواء مسلّح يمتلك المعارضون الذين شاركوا في منتدى موسكو؟

فلو كان وفد الحكومة ، مثلا ، لا يُمسِك بأرض الميدان فهل كان سيجلس معه الخصوم ؟. إذا المسألة هي بين من يسيطرون في الميدان ويمتلكون السلاح وليس بين من لا يمتلكون إلا الميكرفونات والأقلام وربطات العُنُق . الحالة السورية وباعتراف الجميع مُعقّدة جدا داخليا وإقليميا ودوليا ولا أعتقد أن وفدا عسكريا من (الحكومة) سيقبل بالجلوس مع وفدٍ عسكريٍ من المُسلّحين ووضع أسس الحل . ولا المُسلّحين سيتّفقون على وفدٍ واحد ولا على موقفٍ واحدٍ، وبينهم من هم مصممون على المُضي بالحرب حتى النهاية .. ولكن أية نهاية ؟. ولا أعتقدُ أن المعارضة قادرة على التوافق على تشكيل وفد عسكري وسياسي موحّد يمثل كل الجماعات المسلّحة على الأرض وكل القوى السياسية المُعارِضة داخل الوطن وخارجه

فلكلٍّ ارتباطاته وتطلعاته وأهدافه الخاصّة به والقاسم المشترك بين الجميع هو العداء للنظام والسعي للإطاحة به ، ولكن ماذا بعد ذلك فلا يوجد جوابا.. مع أنّ الجواب معروف وهو بدء هذه التنظيمات المسلّحة بتصفية بعضها حتى يستوي الأمر للأقوى ، وهذا لا يعلم إلا الله كم من السنين سيستغرق وكم إمارة ستصبحُ في سورية ، وأمامنا من التاريخ الحاضر أفغانستان والصومال وليبيا واليمن ..الخ. وضعُ الأرجل السورية على بداية دربِ الألف ميل للحل في سورية يحتاج لجهودٍ أخرى مختلفة نوعيا ،إقليمية ودولية .. فالبُلدان التي تدعم المجموعات المسلّحة (ومنها شقيقة جدا) هي فقط من يمكنه الضغط عليها أو يمكنه التحدّث باسمها والمشكلة أنّ هذه البُلدان لا تقبلُ الحديث مع (الحُكم) السوري ، وهذا أحد التعقيدات

بل أنّ هذه البُلدان تسير في طريق تدريب آلاف المقاتلين وتجهيزهم وزجّهم لاحقا في أرض الميدان تحت يافطة (محاربة الإرهاب الداعشي) وحقيقة الأمر هي غير ذلك ، وقد بدأت التصريحات والتحركات والزيارات الرسمية المتبادلة بين مسئولي بلدان المنطقة ، والتناغم مع تحركات رئيس هيئة الأركان الأمريكي المشتركة ، وتعزيز الترسانة العسكرية الأمريكية في المنطقة ، كل ذلك يوحي بأن الهدف الحقيقي هو أبعدُ من محاربة داعش التي لا تحتاج إلى ربع ذلك .. وهذا يعني تماما أن هذه البُلدان لا تُفكِّر حاليا بإيجاد تسوية في سورية وهذا غير مطروح على جدول أعمالها بل المطروح زيادة الدعم للمسلحين وتعزيز قدراتهم العسكرية واللوجستية بأسلحة جديدة ومقاتلين جدد

فالجماعات المُسلّحة باتت تعرف مهمتها بالكامل ، وكيف تنفِّذُّ هذه المهمة ولا تحتاج إلا إلى استمرار الدعم المالي والعسكري واللوجستي ، وهذا ما زال متوفِّر و(الأشقاء) لا يبخلون أبدا على السوريين إن كان الأمر يتعلقُ بشراء وسائل القتل والموت ، وأما وسائل التدفئة والوقاية من صقيع البرْد في المخيمات فهذا لا يستحقُّ الاهتمام .. وقد تناسوا كلمة (أشقاء وشقيق) التي ثقبَت آذاننا بالماضي وصدّعت رؤوسنا والتي كانت تتردّدُ في برقيات التهنئة بالمناسبات وفي نشرات الأخبار عشرات المرّات (تلَقّى من شقيقه وبعثَ إلى شقيقه والتقى بشقيقه وبحث مع شقيقه) حتى كدنا نعتقد أن بعض الحكام العرب هم توائم مُتماثلة انشطرت من بويضة واحدة ومن رَحمٍ واحدٍ قبل الولادة، وإذ بنا نصحو على الحقيقة المُرّة وأنّ كل ذلك كان نفاقا نابعا من طبيعة العرب وتكوينهم وأن كلمة (شقيق) تُمحَى فورا في أوّل خِلاف

كما تمحو كلمة (delete) كل ما هو في عقل الكومبيوتر . روسيا ذاتها كانت تُدرِك أن اجتماع موسكو لا يُمكنُ التعويل عليه بشيء . والمشاركون بهِ يمكنهم أن يتعاتبوا ولكن لا يمكنهم أن يتفاوضوا ، والعتاب يكون بين الأصحاب أما المفاوضات فتكون بين الخصوم والأعداء

ولذلك كانت هناك أقاويل كثيرة من أنّ (النظام) ذهبَ إلى موسكو واصطحب مُعارضيهِ معه بالطائرة ، ولم يكن ينقصُ سوى القول أنهم سيتقاضون مهمتهم باليورو من الخارجية السورية أيضا {أسوة بأحدهم ممن بلغ 73 من العمر وكل الملفات الخاصّة تتركّز بين يديه ولا يكاد يرجع من مهمة حتى يذهب بأخرى ويحرِصُ بأهداب عينيه أن لا يطّلعَ أحد على أي ملفٍّ حتى تبقى تحت عُهدتهِ “كخبيرٍ” لا بديل له ولا يمكنُ الاستغناء عنهُ حتى لو بات على كرسي متحرّك أسوة بالمناضل الجزائري الرئيس بو تفليقة ..فالتاريخ قد يحتاج كل مرّة لأكثر من مائة عام حتى يُنتج “مُناضلا” تاريخيا لا يُشَقُّ له غبارا . والله يْعين إن حصلَ له أمرٌ ماْ لا يَسرُّ فحينها ماذا سيحصل بالدولة ؟ ومن أين سيأتون بشخصٍ آخرٍ (فلتة زمانو) قادر على الفهم بكل الملفّات دفعة واحدة وباتَ كما الحبّة التي تُنبِتُ سبع سنابل وفي كل سنبلةٍ مائة حبّة ؟. يعني بيفهم بسبعمائة ملف

وحقيقة الأمر أكثر ما يفهم به ، من خلال خبرتنا به، هو النفاق والدّس وطول اللسان وتظبيط أقاربه بأكثر الأماكن مردودا مادّيا }.. أعود للقول أن روسيا باعتقادي لم تكن تُراهن كثيرا على لقاء موسكو، وقد تابَعنا كيف (انتكَسَ) اسم اللقاء في موسكو هبوطا نحو الأسفل: من مؤتمر حوار إلى مؤتمر تشاور إلى مؤتمر تقديم أفكار واختبار نوايا ثمَّ أخيرا إلى مُنتدى موسكو ، تيمُّنا بمنتدى دافوس، حيث يأتي كل شخص ويقدِّم مداخلة ثم يحزم حقائبهُ ويرحل بعد أن يكون قد استمتع لبعض الوقت بثلوج جبال الألب ، وربّما بالنبيذ السويسري الساخن في وسط الثلوج.. أما في العاصمة موسكو فالاستمتاع يكون بالكافيار الروسي والفودكا الروسية إلّا إنْ كان هناك خبيرٌ ما بالنفاق يتمنّع عن الفودكا وهو راغب ، بحجة الإيمان الكاذب الأشبه بإيمان الدواعش

ما تعيشهُ سورية اليوم أمر خطير ، فهي مُمزّقة أرضا وشعبا ..ملايين في المخيمات بالخارج ويُخشَى مع طول الحرب والصراع أن تتحوّل قضيتهم إلى أشبه بقضية الفلسطينيين الذين غادروا بلدهم عام 1948 بأمل العودة قريبا ، وقد بلغوا الجيل الثالث والرابع في المغتربات وهذا الأمل القريب يبتعدُ من يومها أكثر وأكثر . عودة وحدة سورية أرضا وشعبا باتت قرار إقليميا ودوليا (رغم أن هذا رغبة كل سوري )ولكن هناك فرقٌ بين الرغبة وبين الواقع ، وهذا أمرٌ في غاية الخطورة أيضا إذا ما أدركنا حجم وعمق الصراعات الإقليمية والدولية في سبيل المصالح والهيمنة والنفوذ ويُخشى أن تكون سورية أول ضحايا تلك الصراعات في التفتيت ، وهنا الخطورة الأكبر

وهذا حُلم الصهاينة وداعميهم فلم يكن في أي وقتٍ أقربُ للتنفيذ مما هو اليوم .. من المؤكّد أن الديمقراطية هي هدفٌ سامٍ ونبيل ، وغاية كل الشعوب ، ولا يجوز أن يبقى تحقيقها حُلُما لأي شعب ، ولكن من المؤكّد أيضا أن الحروب والصراعات في المنطقة ليست في سبيل الديمقراطية ولا حرية الشعوب وإنما في سبيل المصالح والهيمنة والنفوذ على حساب دماء الشعوب التي ليست أكثر من وقود في هذه المعارك والحروب .. طبعا هناك من يجادل أن الأنظمة هي المسئولة عن كل ذلك لأنها لو انتقلتْ ببلدانها وشعوبها نحو الديمقراطية قبل عقودٍ من الزمن ، لقَطَعتْ الطريق على كل من حشرَ أنفهُ ولحشَ أصابعهُ باسم الديمقراطية وحرية الشعوب

ولكن هذا لا يلغي أيضا القول بأن من يشتهي الديمقراطية والحرية للشعب السوري يجب أن يشتهيها أيضا لكل شعوب الخليج والمنطقة ، ومن يعارض الاستبداد في مكانٍ ما عليه أن يعارضه بنفس القوة والزخم في مكانٍ آخرٍ .. فهذه مسائل غير قابلة للتجزئة والتفسيرات ، وقِيم الديمقراطية ليستْ خيرا هنا ، وشرّا هناك .. إنها خير في كل مكان ومن يؤمنون حقّا بقيمها عليهم أن لا يستثنوا أحدا من فضائل هذه القيم وأولهم حلفائهم وأصحابهم ، فهم أولَى بالفضائل

أليسَ هذا ما يقوله المنطق ؟. أليسَ الأولَى بالأم أن تغرس فضائل العفة ببناتها قبل أن تغرسها في عقول بنات الجيران ؟. الحل السياسي في سورية كما يبدو، بات يحتاج كمرحلةٍ أُوْلَى إلى مؤتمرٍ يضم كل الأطراف الإقليمية والدولية المعنية والمُهتمّة والمتورِّطة مباشرة بالوضع السوري ( الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن وإيران وتركيا والسعودية ووفد الأمم المتحدة) بالإضافة إلى وفد واحد مُشترك من المعارضة السورية يمُثِّل الجماعات المسلّحة والمعارضة السياسية يجلس في صف أمريكا وتركيا والسعودية ، ووفد عن الحكومة الرسمية يجلسُ بصفِّ روسيا وإيران

وهذا المؤتمر ليس لوضع بيان ختامي كما في لقاء جنيف الأوّل بين الروسي والأمريكي ، وليس لإلقاء الكلمات فقط كما كان مؤتمر (مونترو) وإنما لوضع خريطة الطريق للحل ثمَّ اتفاق الجميع عليها (وأوّلهم الأطراف السورية المعنية مباشرة ، أبناء البلد الأشقّاء جدَّا) ومن ثم تُباشر هذه الأطراف السورية بمفردها بمتابعة التفاصيل تحت إشرافِ ومتابعةِ لجنةٍ دوليةٍ تنبثقُ عن المؤتمر . فهل هذا ممكن التحقيق ؟ في الظروف الراهنة لا يبدو ذلك ممكنا ونحن نشاهد كيف أن الأمريكي وحلفائه واضعين أياديهم وأرجلهم بمياه باردة وليسوا مستعجلين على الحل

بل كل همّهم في هذه المرحلة هو إدارة اللعبة وتطويل فترة الصراع مع استمرار استنزاف الجيش السوري وإزهاق المزيد من الدماء وتحقيق المزيد من الخراب والدمار، وزيادة الفقر والبؤس والغلاء والبطالة والتضخم وانخفاض قيمة الليرة السورية وإضعاف الاقتصاد ، حتى تعود سورية مائة سنة للوراء ، بموازاة استنزاف حلفاء سورية ( روسيا وإيران وحزب الله) . فالوضع بالنسبة لأمريكا هو وضع أكثر من مثالي ولذا فلا عجَلَة إطلاقا على إيجاد حل في سورية

وكل التصريحات حول الحلول السياسية ما هو إلا نوعٌ من الاجترار للكلام والتصريحات والظهور بمظهر الحريص والمُهتَّم أمام الرأي العام .. والكلام سهلٌ جدا ولكن الضرب على التنفيذ .. ولذا يمكن القول أن كل الجهود المبذولة حتى اليوم (وهي جهود مشكورة وضرورية ومطلوبة) لن تُفضي إلى حلٍّ وهي أشبهُ بـ (قربة ماء) مثقوبة أساسا وكلما سددتَ ثِقبا خرجت المياه من ثقوب أخرى .. فكلما أجريتَ لقاءً وتفاهما مع طرفٍ أو جهةٍ ما خرجت عليك عشرات الأطراف ترفض ذلك ، لماذا ؟. لأن ظروف وشروط الحل لم تنضج بعد لدى كافة اللاعبين الإقليميين والدوليين الذين يتحكّمون بالمسلحين والسلاح على الساحة السورية

إنها أُمنية كبيرة لنا جميعا أن يتمكّن السوريون من حل مشكلتهم بأنفسهم ولكن لو كانوا قادرون على ذلك لتمَّ تطويق الأمور من بداياتها وقبل أن تسيل الدماء بهذا الشكل ويعمّ الدمار وتتعمّق الجِراح وتّتّسع الأحقاد ، ولَمَا تصاعدَت حتى بلغت هذا المستوى الخطير . فعلينا أن نتحلّى بالواقعية السياسية، فالسوريون ليسوا لوحدهم اللاعبون اليوم على ساحة ومساحة وطنهم وهناك دولٌ مهمة إقليميا ودوليا لها تأثير ونفوذ كبيرين على الساحة وما لم تتفِّق جميعها أوّلا ضمن مؤتمر شامل ، كما أشرتُ ، فليس من السهل وضعُ حدٍّ للمآسي وإيجاد حلٍّ سياسي

وبين كل منتدى ومنتدى واجتماعٍ واجتماعٍ لن نرى سوى المزيد من سفك الدماء بينما رحلة البحث عن الحل الضائع مستمرّة بين جنيف وموسكو والقاهرة وغيرها.. والصراع مستمر على قاعدة مَن أوّلا: الدجاجة أم البيضة .. أي مكافحة الإرهاب أم تشكيل هيئة حكم انتقالي

وهناك من يطرحُ رأيا وسَطا يقوم على أساس مكافحة الإرهاب من طرف والسعي من طرفٍ آخرٍ بشكلٍ صادقٍ وجادٍّ وفعلي بالانتقال نحو الديمقراطية، اعتقادا من أنّ هذا يُسرِّع في مكافحة الإرهاب ويُضيفُ رصيدا جديدا للدولة في تصدِّيها للإرهاب .. وأنّ مكافحةُ الإرهاب ليس معناها وضعُ عملية الإصلاح الديمقراطي والسياسي في الثلاجة حتى ننتهي من المهمة الأولى . فمكافحة الإرهاب عملية طويلة بحسب تصريحات الزعماء الغربيون أنفسهم.. ويمكن للأمرين أن يسيرا بآنٍ معا

فأين المشكلة ( يتساءل البعض) !. وبين الرأي الأول والثاني والثالث ننامُ على صواريخ الكاتيوشا والغراد ونستيقظ على قذائف الهاون، وطول الوقت نستمتع بألحان أصوات سيارات الإسعاف وسيارات الإطفاء وهي تجوب الشوارع مسرعةً، بينما المُعارضون (الوطنيون جدا والمنافقون جدا) يسهرون في الخارج حتى وجه الصباح في مطاعم (ليالي زمان وغيرها) وهم يُنَظِّرِون بينَ، وينظرون إلى ، صحون الأكل الشهية المليئة بما لذَّ وطاب .. وشُوْ بَدنا أحلى من هيك لاسيّما بعدما أن أعطتْ الحكومة قبل فترة أربعة آلاف ليرة سورية للموظف بالشهر تعويض معيشة ، فرفَع التجّار والباعةُ الأسعار بكلفةِ عشرة آلاف ليرة أكثر على كل مواطن بالشهر .. وشو بدنا أحلى من هيك .. وهَيْ صارَ بقربِ بيتنا بالحارة مَطعمَا جديدا وفاخرا ولم نعد بحاجة حتى نطرُقْ كل ليلة مشوارا بعيدا للسهر في فندق الشيراتون ولا بفندق الفصول الأربعة ونتنعّمَ بتعويض المعيشة الجديد !.

الأزمة في سورية خطيرة وعميقة وأكبر بكثير من أن يؤثر بها اجتماع أو مائة اجتماع بمستوى من اجتمعوا في موسكو ، وأولئك (لا يهشُّون ولا ينشُّون) ، ومبادئ إعلاناتهم لا تشكِّل أيّ خرق دبلوماسيٍ أو سياسي ، ولا تهمُّ أصحاب الكاتيوشا والغراد ولا مموليهم ، فما الفائدة إذا ؟. كل هذا الوقت المهدور والضائع هو على حساب مزيدٍ من الموت في سورية كل يوم ، ومزيدٍ من التدمير ومزيدٍ من التهجير ومزيدٍ من الخطف ومزيدٍ من اللجوءِ ومزيدٍ من المخيماتِ ومزيدٍ من الذلِّ للسوريين الهاربين من الجحيم إلى نهاية العالم ومزيدٍ من السوريين الغارقين في البحار كطعام لأسماك القرش

فهل باتَ في عالَم اليوم من هوَ أرخص من السوري وأكثر منه مهانة وإذلالا ؟ فكيفَ لنا أن لا (نشكر) كل من ساهموا في إيصال المواطن السوري إلى هذا المستوى (الراقي جدا ) بعيون العالَم !. سورية تحتاج لجهودٍ أكبر بكثير ، واستمرار الاتهامات وتحميل كل طرف للآخر مسئولية ما حصل ويحصل هذا لا يحل المشكلة وإنما يديمها

هناك واقعٌ وما حصل فقد حصل ويحتاج إلى حلٍّ شامل وعميق وهذا لا تستطيع الأطراف السورية بمفردها أن تتوصّل إليه ، والحروب ليست حلّا وكل حربٍ لا بُدَّ أن تنتهي أخيرا بعملية سلام ، ولكن متى ؟

هذا ما يسألهُ كل مواطن سوري

والجواب لا يعرفه إلا الله سبحانه وتعالى ، وكل ما هو بيدنا أن ندعو الله أن لا تطول المأساة أكثر .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*