الرئيسية » عربستان » اليمن‎ » هروب هادي المرتب، أطفأ بركان اليمن
p20_20140910_pic1

هروب هادي المرتب، أطفأ بركان اليمن

نوري المرادي:

فاجأتنا الأخبار عن هروب الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي إلى عدن بعد شهر من إقامة جبرية فرضها عليه الحوثيون، يوم احتلوا صنعاء. ومن المصادفات أن كان لدي ليلة أمس ضيف من شمال اليمن من دوائر القرار، وكنا نراقب الحدث لحظة بلحظة. وهو ذاته الذي وصف هذا “الهروب” بجملة واحدة بسيطة قال فيها: ” لقد أنقذت إيران صبيانها الحوثيين في اليمن من الهلاك “.
ومعلوم أنه عنى أن هروب هادي إلى عدن متفق عليه حتى من إيران، لأنه يمثل الحل الأمثل للقضية برمتها. وكان قد عاجلنا السهاد فذهب إلى فندقه، تاركا الأمر لي أقلبه عساي أجد مبررات استنتاجه المختصر هذا.
واعترف أني في البدء صدقت أن هادي تمكن من الهرب بخطة منظمة نفذتها كتيبة أوصلته بالطريق المتكهن بها أو المعلن عنه حتى اللحظة. ولا غرابة على أية حال، وقد هرب مساجين أشد خطرا وقبيل تنفيذ الإعدام ومن أشد السجون حصانة وحماية.
صدقت الهروب حتى أذاع السيد هادي بيانه الأول الذي اشتمل على جملة جانبية تقول: ” كل الإجراءات التي اتخذها الحوثيون منذ دخلوهم صنعاء حتى اليوم لم تعد شرعية “. وهي جملة كما يبدو منطقية ونتيجة حتمية كانت على أية حال ستصدر من زعيم انقلبوا عليه فانقلب عليهم وعاد إلى سلطته. لكن الأمور في اليمن لا تقاس بهذه البساطة. فهي دولة تتشكل من عشرات الدويلات المتقلبة الولاءات والمتساوية الحقوق والواجبات والمكتفية ذاتيا من الغذاء والملتزمة عرفا وموروثا بديمقراطية السلاح، والتي ترى السلام مجرد مرحلة استراحة مقاتلين بين جولات حروب ضرورتها أهم بكثير من أسبابها، رغم أن الحكمة يمانية كما يقال “.
وفي دولة كهذه، ورغم ما فيها من أعراف ذوي حكمة وبصيرة، فإدارة الأزمات فيها عسيرة جدا، ومتشعبة ومقومات حلولها أما أن تنهض معا أو تسقط معا.
ولو عدنا إلى شخص الرئيس هادي، فمؤهلاته العسكرية عالية ولا شك وهو خريج سانت هيرست، وأكاديمية موسكو للعلوم العسكرية العريقة، فضلا عن العديد من الدورات العسكرية والإدارية،، لكنه على المستوى الشخصي عديم الحيلة في الحكم ويغلب عرفه القبلي ومفاهيمه العسكرية على أصول السياسة وإدارة الدولة. ولو لم يكن بهذه المحدودية المهنية لما ابقاه علي عبدالله صالح 18 عاما نائبا له، ولم يختره مجلس التعاون الخليجي رئيس عبور مؤقت حتى يعلو الغربال اليمني شخص أكثر كاريزما وقدرة. فضلا عن أن هادي وخلال فترة رئاسته، لم يقاوم ما اعترى زعماء العالم في هذه الفترة المظلمة عموما، سوى من بصيص أمل بين الركام، وهو نهوض دولة الخلافة. وما اعترى زعماء العالم في هذه الفترة المظلمة، هو حتمية بل ومشروعية الإثراء الشخصي الفاحش وتقديم الآل على الآخرين في مناصب الدولة. وقد اثرى هادي، وقد فضل أبناءه وذويه للمناصب الكبرى في الدولة. وهي أمور على العكس مما رجاه منها، عزلته واضعفته حتى وجد نفسه عشية احتلال الحوثيين لدمّاج، اشبه بكرزاي لا حول له حتى على أقرب المقربين إليه. وعجزه عن إدارة الدولة فرض عليه القبول بما يملى عليه سواءً من آل الأحمر أو الحوثيين وغيرهم أو من دول الخليج.
ومما زاد الطين بلة أن غرماؤه ووسطاء حلول المشكلة بدورهم يعانون من فقدان حول على إدارة الأزمات. وكلنا سمعنا عما جرى داخل مفاتيح القرار الحوثية حيث أقال عبد الملك قائدا ونصب بدله، لكن المقال رفض ورد الأمر على عبد الملك حتى أخرسه. ودول الخليج منقسمة القرار بين قطبين، قطر – السعودية والإمارات والبحرين، والطرف الوسط وهو الكويت وعمان. وعمان في حيرة من أمرها وقد دخل السلطان الاعتكاف النهائي، بينما بقي قرار الورث مجهولا، مصيبا مفاتيح القرار العماني بالشلل، فلا يعلم أحد هل سيكون الوريث عمانيا راديكاليا حاملا أحلام إنهاض الامبراطورية العمانية، ليبنوا مواقفهم على منهجه، أم سيكون مسالما كسلفه، ليواصلوا سياسة الانكفاء. ولا يبدو أن أمير قطر أقل تشدد من والده في السياسة العربية والدولية، ولا يبدو أن تهديدا ما أخفاه أو اثناه عما يريد. الأمر الذي يجعله مصدرا لعدم التوافق أو هكذا يعتبرونه. والتسريبات الأخيرة من مصر حجمت الاندفاع الذي أبداه بعض مفاتيح السياسة الإماراتية بدعم سيسي، ولم يعودوا في حول على مواصلة دعم جاحد مثله ما انفك يستصغرهم، خاصة بعد أن تبين أنه مجرد أبله بليد لا علم له بإدارة الدولة، واستحوذ لنفسه وللشلة على كل الدعم الخليجي الذي يقال أنه ربا عن المئة مليار دولار. ولازال سيسي يطالب، الأمر الذي أقنع الإمارات قادة ومواطنين أن الدعم يجب أن يتوقف قبل أن يصبح سيسي دوامة لشفط الأموال. والاعتراضات الجهورة في الكويت من نواب وذوي شأن سياسي عال، حجمت هي الأخرى من اندفاع العائلة المالكة بدعم سيسي. ولا يسمح وضع البحرين بكثير دعم، ومجي سلمان إلى الحكم، يكاد يكون سدد الضربة القاضية لأحلام سيسي التسولية.
وسيسي بدوره، وحين اكتشف أن ظهيره المكين، عزت الدوري، الذي تعهد له خطيا بأنه سيعلن الجهاد دفاعا عنه وأنه سيملآها خيلا على من يريد برئيس مصر وجيشها سوءً، هذا السيسي وحين اكتشف أن كل ما لعزت الدوري بعض برقيات تهان أو تعاز، وتعليق على الأحداث وعروض عمالة لا غير،،، رمى تعهد الدوري الخطي جانبا وقال: ” هو انا نائص زومبية وهلافيت! “. ثم وحيث عرته التسريبات الأخيرة أمام عيون مموليه، وحيث اكتشف أن ولاية سيناء على العكس صارت تتحداه، أقحم نفسه في ليبيا، وكأنما ليجبر الخليج على فتح صنبور التمويل من جديد. ولكن مقاتله في ليبيا كثرت ولم يعد يستطيع نسج الأعذار لأسباب هذه المقاتل، وفوق هذا وذاك تلمس أن ثوار ليبيا الأبطال لازالوا على اندفاعهم العارم الذي بدأوه في 17 فبراير شباط، وأنهم لقنوه درسا قاسيا. فأراد التراجع، لكن ولاية الخلافة المباركة سدت عليه الطريق وتحدته هي الأخرى بذبح بعض من جنوده الأسرى لديها، الذين اختارتهم زيادة في الإمعان من الطائفة التي دعمت انقلابه بأشد ما يكون. وهي بهذا وضعته أمام خياري مواصلة التدخل، أو الانكفاء. وكلا الخيارين ممنوع، فمواصلة التدخل ستقضي على جيشه، والانكفاء يقوي شوكة قوى الداخل المضادة، ما بالك وولاية ليبيا المباركة هي التي تقول له الآن، “انتظرنا مسافة السكة وبس!”. فاستصرخ سيسي دول الخليج المال والجند والدعم، ففوجئ بموقف معارض شبه موحد من الخليج ضده أذهله أو أرعبه حقيقة. وهو لا يعلم أن السبب في هذا أن دول الخليج وبالإضافة إلى السباب أعلاه، لاحظت أن لا الجيش المصري تحت قيادته أثبت أنه قوة فاعلة على الأرض، ولا بقي لدولة مصر برئاسته من وزن حين أجلسوه في الصفوف الخلفية مع الصحفيين وعامة الضيوف في مؤتمر أديس ابابا الأخير.
وبالتالي لم يعد الصرف عليه مجديا.
ولا ندري ما هي خطوة سيسي القادمة، غير أن يطيح به انقلاب دموي يعيد إلى مصر العظيمة هبيتها وينقذها وجيشها الباسل من مستنقع التسول الذي أوقعها فيه.
المهم إن قوة مصر السيسية انتهت ولم يعد من مجال للركون إليها عند الملمات.
وإيران هي الأخرى، وبعد تراكم خسائرها وتساقط جيوشها وأعتى جنرالاتها في العراق والشام كتفر الخريف، وبعد انكسار شوكة ربيبها حالش، وبعد انخفاض أسعار النفط وانهيار ميزانية العراق، إيران هذه لم تعد في حول على إدارة عدة حروب في وقت واحد، فما بالك بحروب غريمها فيها أثبت أنه الأشد عنفوانا وجهادية في التاريخ؟!
ولليمن موقع جيوسياسي فائق الأهمية، ويستأهل الصراع لأجله حتى بأكبر قدر من الخسائر، شرط أن يستوفي فيما بعد هذه الخسائر. واليمن مؤهل أن يستوفي الخسائر، لكن ليس في وضعه الحالي، فما بالك لمحتل. فالنفط خارج سلطة مليشيا إيران، والقبائلية التي هي أساس المجتمع اليمني، نهضت وكأنها يدا واحدة ضد الحوثيين غير المؤهلين اصلا لحكم. وكل خطوط الإمداد والطاقة حتى لو تم احتلالها إيرانية في اليمن فهي مكشوفة ولن تحميها قوة على الأرض. ومن هنا، صارت اليمن هما كبيرا على إيران، لا هي تستطيع تمويله ولا تستطيع ضبطه، ولا مصادر لديها كما كانت الحال قبل عام أو عامين (من نفط العراق وسوريا أو من مساعدات روسية مؤقتة) تعتمد عليها لتمويله. وإيران المتورطة الآن في حرب الهلال الخصيب، لابد وحين راجعت حسابتها، وجدت أن خسارتها الهلال الخصيب ستعني خسارتها اليمن دون شك. بينما خسارتها اليمن توفر لها ما تمد به أجنادها في العراق والشام. لذا رجحت خسارة اليمن على خسارة العراق والشام، ما بالك وقد وجدت نفسها أنها حين رمت بثقلها في العراق والشام على العكس زادت مقاتلها وانهار حالش (حزب الله) أو يكاد، الأمر الذي لم يعد يوفر من مدد لترسله إلى اليمن البعيد.
وما يجري على إيران في اليمن يجري على حليفتها أمريكا، وحلفتهما معا إسرائيل. وخسارة اليمن لأمريكا أهون من خسارتها العراق، على الأقل من باب أنها صرفت في العراق ما أوقعها إلى انحدار هاوية لا يسمح لها بغير التعلق بأسباب النجاة. وقد خسرت من أموال وعتاد في العراق والشام خلال ستة أشهر ما لم تخسره في حروبها السابقة، والمصيبة أن كل هذا دون جدوى، فدولة الخلافة المباركة تتمدد بينما الذي تدعي أمريكا أنها حررته، لا يعود سوى أطلال غير صالحة حتى لسكن الغربان. بدليل كوباني!
المهم إن هم أمريكا في الهلال الخصيب لا يسمح بتحمل هم آخر من وزنه أو أقل في اليمن أو غيره. لذا لابد أن تسحب أمريكا وحليفتها إسرائيل يدها من اليمن لتوفر الجهد للقتال الذي يطرق ابوابهما معا – الهلال الخصيب.
ولا أعتقد أن دول الخليج تجاهلت هذه المعطيات، ما بالك ونار الحرب على حدودها. لذا قررت هي الأخرى نفض يدها من اليمن، عسى ولعلها توفر بعض المال لمكان آخر.
ما أعنيه، أن الجميع لم يعد بوارد صرف الجهد والمال على اليمن، ومنذ اللحظة التي تبين لهذا الجميع أن اليمن العزيز ليس لقمة سائغة، وأن شعبها أجل من أن يقبل بضيم، وإن ديمقراطية السلاح لازالت أشد مقومات بناء هذا المجتمع القبائلي العريق.
لكن ترك اليمن لمصيره لا زال أخطر من الانغماس بمشاكه. ما بالك ودولة الخلافة تتمدد وتقهر أعداءها وتضربهم اين شاءت.
لذا لابد من حل!
والحل هو عبدربه منصور هادي ذاته.
لكن هادي كان مقيدا بعائلة الأحمر. وعائلة الأحمر مقيدة بعلي عبدالله صالح، وصالح مقيد بالسعودية، والسعودية تعيش تبعات انقلاب الملك الجديد سلمان بن عبد العزيز على سياسة أخيه الراحل. وهي الأمور التي حلت بالتدريج، حيث حجم آل الأحمر قوة علي عبدالله صالح، وحجم الحوثيون قوة آل الأحمر وبقية القيادات العسكرية، وما بقي غير تحجيم الحوثيين،، الذي تم وبطريقة قبائلية قد لا ندرك تعقيدها قبل مرور سنين. وأنا إن ذكرتها هنا، فتكهنا أولا وبناءً على ما سمعته من أخي وضيفي اليماني المطلع على بواطن الأمور هناك ثانيا.
والحوثيون حين احتلوا صنعاء، فباتفاق،، مع من لا أعلم. لكنه اتفاق اسقط قوة آل الأحمر وعلي عبد الله صالح معا. وتفردوا بالحكم وصدقوا أنفسهم أنهم حقا ملكوا اليمن، فاصدروا القرارات واعتقلوا الرئيس ورئيس حكومته وقيادات عليا، واحتلوا الشوارع،، حتى نهضت القبائل وبدأت تتناولهم غيلة أو بهجومات شديدة العنفوان، مثلما أعلنت بعض المناطق البيعة لدولة الخلافة، ونزلت تفتك بهم.
ولو بقي هادي رئيسا تحت وصايتهم لكان تأثيره اقل من إسلام حنون. لذا فُرضت عليه الاستقالة التي بقيت وبحسب المخطط المفترض دون حسم. ثم وحين تعالت الأصوات ونزلت التظاهرات، وبدأت الحروب تفتك بالحوثيين، تحتم إعادة هادي إلى السلطة، ولكن بسيناريو يظهره بطلا قوميا ووطنيا، فتتأجج بالشعب روح الحماس ويبدأ يطيعه ويدافع عن قراراته. كما إن الحل الوحيد الذي يوقف أو يحدد من حماس مطالب الانفصال في جنوب اليمن، يكمن في أن يشعر الجنوبيون أنهم أصحاب السلطة حقيقة، ومن هنا كان لابد أن يظهر هادي في عاصمة الجنوب عدن، فتخف وطأة مطالب الانفصال أو تنتهي كما أتوقع. وهادي، وحيث كان من بين أول قراراته قوله ” كل الإجراءات التي اتخذها الحوثيون منذ دخلوهم صنعاء حتى اليوم لم تعد شرعية “، فقد وفر بهذا القرار المنطقي على أية حال، العذر للحوثيين ذاتهم للانسحاب من صنعاء ومن ثم المناطق الأخرى والانكفاء في صعدة، مبررين هذا لأتباعهم بأن العالم صار ضدهم وأن الرئيس في عدن بعيدا عن متناول يدهم ولا يستطيعون أن يواجهوا العالم كله ولا القبائل التي صار قتالها ضدهم شرعيا، لذا لابد من الانسحاب.
ما أعنيه إن هروب هادي وبهذا السيناريو البطولي، شكل ضربة معلم حكيم عارف حقا كيف تقاد الدول. لأنه أجهض عشرات المشاكل في وقت واحد أهمها، إسقاط اقطاعيات آل الأحمر وعلي عبد الله صالح، واسقط حمى الانفصال لدى الجنوب واسقط مطامع إيران التي خرجت من هذا المولد بحماية مليشياتها الحوثية من الإبادة. وسنقرأ عن مؤتمرات إعادة إعمار أو استثمارات نفطية جديدة ،، الخ.
بقي أن ننتظر العواقب!
فأنا وإن اعترفت لصاحب هذا الحل بالحكمة والقدرة على إدارة الأزمة، لكني لن أنسى أنني أتحدث عن اليمن – دولة ديمقراطية السلاح مثلما لا أنسى أنني أتحدث في عصر نهوض دولة الخلافة المباركة التي تتمدد غير آبهة بأية اعتبارات.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*