الرئيسية » إسلاميات » ضرورة التفريق بين فقه بناء الدولة وفقه بناء الدعوة أو سياسة الدولة وسياسة الجماعة
1qn79sa7_400x400

ضرورة التفريق بين فقه بناء الدولة وفقه بناء الدعوة أو سياسة الدولة وسياسة الجماعة

فلاح الصخري:

أول ما يتبادر إلى الذهن عند قراءة العنوان أعلاه هو تلك الأبحاث التي دارت تحت مفهوم “دعاة لا قضاة ” والتي بدأت منذ خمسينيات القرن العشرين , والتي تحاول بيان أنّ دور الدعوة يقتصر على البيان والبلاغ بالأساليب غير المنفّرة ؛ لأنّ تطبيق الأحكام على الناس هو من اختصاص صاحب السلطة , ومع اتفاقي مع هذا الطرح المستند إلى سنّة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في المرحلة المكيّة أي قبل قيام الدولة الإسلامية في المدينة المنوّرة _ فإنّ العنوان أعلاه لا علاقة له بهذا الباب , فهو بحث في باب آخر غير متداول بحسب اطّلاعي المتواضع , ولا أدري إن كان قد طرق أم لا , ولكن الذي أدريه أنّه باب غائب لا حضور له على الرغم من أهميته العظمى التي لا يمكن تصوّر نجاح دعوة بإقامة دولة ناجحة بدونه , فقد تقيم الدعوة دولة ولكنّها لن تنجح في سياستها إن كانت بغفلة عن هذا الجانب , وهذا يكاد يكون قانونا عامّا ينطبق على جميع الدعوات الثورية القائمة على مشاريع فكرية , ولكنني في هذا المقام سأقتصر على الدعوة الإسلامية والدولة الإسلامية .
وبيان ذلك فإنّ أيّ فكرة إصلاحية عامّة ينبثق عنها برنامج عملي لإصلاح مجتمع ما ونقله من حال إلى حال لا يمكن أن يكون لها تأثير ملموس إلاّ إذا أعتنقت تلك الفكرة من قبل جماعة فهمت تلك الفكرة , وآمنت بها , وحملتها للناس لإقناعهم بها ليكون التغيير بحسبها وعلى أساسها , وهذه سنّة من سنن الحياة وقوانين الاجتماع , فما نجحت فكرة ولا انتشرت إلاّ بتأسيس كيان ( جماعة أو حزب ) يؤمن بها , ويحملها , ويدعو إليها .
وهذه الفكرة تبدأ بشخص غير عادي تتبلور تلك الفكرة بذهنه فيستقطب أفرادا من المجتمع لديهم استعداد نفسي خاصّ فيؤمنون بالفكرة وربما ساهموا في تطويرها وإثرائها , وبهم تتشكّل النواة التي لا تلبث أن تنمو باستقطاب أشخاص آخرين يقتنعون بتلك الفكرة , ويحملونها , ونظرا لأنّ هذا التكتل القائم على الفكرة التي يراد إصلاح المجتمع بها وعلى أساسها يمثّل طليعة المجتمع أو إحدى طلائعه فإنّ القائمين على هذه الكتلة يجب أن يكونوا ملتزمين بكلّ ما ما تفرضه هذه الفكرة من أخلاقيات وضوابط للسلوك , ويلزموا من أنضم إلى هذه الكتلة بذلك ,وألاّ يظهر منهم أدنى تساهل في ذلك لا مع أنفسهم ولا مع أتباعهم ؛ لأنّهم يعدون أنفسهم وأتباعهم ليكونوا قادة المستقبل , فصناعة القادة تقوم على التشدد في الالتزام بمقتضيات الفكرة , وهذا أمر يقتضيه العقل والفطرة السليمة علاوة على الشرع القائل ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ )) .
وإذا نظرنا إلى سيرة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فإننا نجد ذلك ظاهرا جليّا , ففي المرحلة المكيّة ( مرحلة العمل الحزبي ) نجده قد بذل جهودا عظيمة على بناء شخصيات من آمن به , مع تشدد ظاهر لا تساهل فيه , يظهر ذلك في السور المكية التي ركّزت على بناء العقائد , والأخلاق , وقصص الأنبياء والأمم السابقة , ورسالة الإنسان في الأرض وكلّ ما من شأنّه بناء الشخصيات القيادية المؤهلة لقيادة الشعوب وسياسة الدول , وقد ساعفه في ذلك أنّ غالبية أعضاء هذا التكتّل كانوا من بيوتات قريش المرموقة علاوة ما لقريش من مكانة في نفوس العرب .
وقد ظهر ذلك في سلوك أولئك الرجال الأوائل ومدى حرصهم على الالتزام بأدقّ الأحكام الشرعية , ومحاسبتهم الشديدة لأنفسهم فكانوا بحق جيلا قرآنيا فريدا كما وصفهم المرحوم سيّد قطب في معالمه , وميزة هذه الكتلة لم تكن بهذا الالتزام والسموّ فقد شاركهم في ذلك تكتلات ظهرت لاحقا , وقد وصفتهم بعض الأحاديث بأنّهم أشدّ تمسكّا بأحكام الإسلام من الصحابة ” «يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم وعملكم مع عملهم يقرءون القرآن لا يجأوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ينظر الرامي في النصل فلا يرى شيئا وينظر في القدح فلا يرى شيئا وينظر في الريش فلا يرى شيئا ويتمارى في الفوق هل علق به من الدم شيء» ……… فما السرّ في ذلك ؟؟
إنّ ميزة الكتلة الأولى انّها عندما انتقلت من طور الدعوة , والكفاح السياسي إلى طور بناء الدولة تعاملت مع عامّة الناس بالتساهل , والاكتفاء بالالتزام بالحدّ الأدنى من الأحكام , مع بقائها على التشدد فيما يخصّ أفراد الكتلة , وكلّ من تصدّر للعمل العام , وتولى المسؤولية فكان النهج قائم مع الشعب على التساهل وعدم التنقيب والتدقيق ,والاكتفاء بمعرفة أساسيات العقيدة الجليّة الواضحة التي لا يسع أحد جهلها , ومن أصرح وأوضح الأحاديث في هذا الشأن ما أخرجه أهل الحديث أن جاءَ رجلٌ إلى رسولِ الله – صلى الله عليه وسلم – من أهلِ نَجدٍ ثائِرَ الرّأسِ، يُسمَعُ دَوِيُّ صَوته ولا يفقَهُ ما يقولُ، حتَّى دنا، فإذا هو يَسألُ عن الإسلامِ، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم – “خمسُ صلواتٍ في اليومِ والليلة” قال: هل عليَّ غيرُهنَّ؟ قال: “لا، إلا أن تَطَّوَّعَ” قال: وذكرَ له رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – صِيامَ شهرِ رمضانَ، قال: هل عليَّ غيرُه؟ قال: “لا، إلا أن تَطَّوَّعَ” قال: وذكر له رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم – الصَّدَقةَ، قال: فهل عليَّ غيرُها؟ قال: “لا، إلا أن تَطَّوَّع”، فأدبَرَ الرجلُ وهو يقولُ: واللهِ لا أزيدُ على هذا ولا أنقُصُ، فقال رسولُ الله – صلى الله عليه وسلم -: “أفلَحَ إن صَدَقَ” , وقد كنت أعجب من محاولات العلماء تأويل هذا الحديث لأنّه اقتصر على بعض المطلوبات شرعا , والذي لم ينتبه إليه الكثيرون أنّ هذا أعرابي من عامّة الناس فيكفي منه اظهار شهادة التوحيد , والالتزام بالحدّ الأدنى من الفرائض مع ولائه لدولة الإسلام , وخضوعه لها ويجلي هذه الحقيقة الحديث المشهور ” أُمرتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يشهَدوا أنْ لا إِله إِلا الله، وأنَّ محمداً رسولُ الله، ويقيموا الصَّلاةَ، ويُؤتوا الزَّكاةَ، فإِذا فعلوا ذلك عصَموا منِّي دماءَهم وأموالَهم؛ إِلا بحقِّ الإسلامِ، وحسابُهم على الله” وعلى ضوء هذا يفهم حديث الجارية التي ثار حوله جدل واسع بين علماء العقائد والأصول ومفاده أن رجلاً أتى النبي – صلى الله عليه وسلم – بجارية سوداء أعجمية، فقال: يا رسول الله! إن عليَّ عتق رقبة مؤمنة، فقال لها رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “أين الله؟ “، فأشارت إلى السماء بإصبعها السبابة، فقال لها: “من أنا؟ “، فأشارت بإصبعها إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وإلى السماء؛ أي: أنت رسول الله، فقال:”أعتقها ” فإنها مؤمنة ” فبالله عليكم ماذا نتوقع من مثلها , وسؤاله صلى الله عليه وسلم بأين هو مخاطبة لها على قدر عقلها وأراد أن يعرف أهي من عبدة الأصنام الأرضية أم لا , وما أثير حول الحديث من جدل لا داعي له أصلا .. .. وتلمس هذا التساهل مع العامّة في كثير من الأخبار فمنها قوله صلى الله عليه و سلم أنّه قال : ((أمرنا أن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر )) وجاء فيما يتعلّق بالجنايات التي توجب الحدود الشرعية ((«اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله تعالى عنها فمن ألم بشيء منها فليستتر بستر الله , وليتب إلى الله, فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله» ,…….. وقارن بين مثل هذه المواقف مع موقفه ( صلى الله عليه وسلم ) مع الولاة في قصّة ابن اللتبية , وكذلك تشدد عمر بن الخطاب مع ولاته ومحاسبتهم على أدنى تقصير .
هذا هو الفرق الجوهري بين فقه بناء الدولة الدولة وسياسة الشعب , وفقه بناء الحزب السياسي الذي يحمل الدعوة وسياسة الحزب أو الجماعة الخاصّة , فسياسة الشعب على الرغم من امتلاك السلطة فإنّها تقوم على الرخص , والتساهل , وغضّ النظر عن الهفوات مع المحاولة الدائمة للارتقاء به , وقد وضع باب ثابت من أبواب الزكاة للمؤلفة قلوبهم , وأمّا سياسة الحزب أو الجماعة فهي وإن كانت قيادة فكرية وليس لها أي سلطان فعلي إلاّ السلطان الأدبي فإنّها تقوم على الصرامة والتشدد , والأخذ بالعزائم , وترك الرخص من جهة والتوسع في العلم والتبحّر فيه ومعرفة دقائقه .
وأخطر ما يواجه الحزب الثوري عندما يصل للسلطة هو البقاء بعقلية التنظيم المضطهد , والتعامل مع الناس والخصوم بتلك العقلية , وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم أعظم الأمثلة في تجاوز تلك العقد , من أبرزها موقفه يوم فتح مكّة ” اذهبوا فأنتم الطلقاء “, وعندما ظهرت روح الانتقام من سعد بن عبادة يوم الفتح وهتف : ” اليوم يوم الملحمة ” عزله عن كتيبة الأنصار وأخذ الراية منه , وليس هذا فحسب , ولكنّه استعان بالكفاءت القيادية من أولئك الخصوم السابقين وإن لم يبلغوا مرتبة أصحابه الأوائل في السابقة والفقه والطاعة والعبادة , وإن كانوا لم يبلغوا مرتبة الصحابة بالمعنى الحقيقي للصحابة بدليل ما جاء في خطابه لأحدهم عندما تطاول على أحد هؤلاء الصحابة حيث قال له :” دَعُوا لِي أَصْحَابِي، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا لَمْ يَبْلُغْ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» , ومع هذا فإنّ ذلك لم يمنع من تأمير مثله على كبرائهم .
وعلى ضوء هذا الفهم يجب أن تفهم الأحاديث النبوية وسائر التكاليف الشرعية , فلا يجوز الزام العامّة بالعزائم وترك الرخص , ولا بالمسائل الخلافية أو إلزامهم بمذهب فقهي أو فكري واحد , ولا يلجأ للبتّ في المسائل الخلافية إلاّ في حالة أن يكون ذلك مما تقتضيه السياسة الشرعية والتي لا تكون بدونه كحكم يتعلّق بالسياسة الاقتصادية مثلا , وكيف لا وقد ظهرت بواكير الاختلاف في الاجتهاد في حياة النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فأقرّ الجميع ولم ينكر عليهم , ولا أحد يجهل ما خلفه فرض مذهب واحد على الأمّة من عنت , وإقصاء ,ومسخ للعقول , وتكريس للانحطاط .
ومن الجدير بالذكر أنّ التفريق بين العامّة والخاصّة أو العامّة والنخبة من حيث التكاليف والواجبات ليس خاصّا بالإسلام وحده , بل هو نهج إنساني , ألا ترى الغرب على ما فيه من حريّة شخصية وتهتك وانفلات فإنّه لا يسمح بذلك لقادته , ونبلائه , وكبرائه , وقل مثل ذلك في القبائل والعشائر العربية في جاهليتها الأولى , وفترة جهلها الثانية فقد كانت تتشدد مع شيوخها وكبرائها وتعتبر الهفوة من أحدهم كبيرة , وهي التي لو وقعت من غيرهم لما التفتوا إليها , فالناس بفطرتهم يرون أنّ المسؤولية الأخلاقية والالتزام بمنظومة القيم يتناسب طرديا مع مكانة الإنسان في مجتمعه .
ومن هذا الباب نفهم ما روي عن أبي جعفر المنصور عندما مرّ بقوم يُتلى عليهم القرآن , فعندما شاهده القارئ صمت , فوقف أبو جعفر , وقال له : إقرأ عليّ فإنّ أحقّ من يستمع للقرآن هو أنا , وما نزل إلاّ لمثلي من الجبابرة أو كلاما بهذا المعنى , وصدق فهو الذي يملك السلطة ويملك التنفيذ .
وقد وجدت لابن خلدون طرحا رائعا يدور حول ملكة سياسة الرعية أو المهارة التي يجب أن يتمتع بها السياسي حتى تصبح ملكة له وسجيّة فيقول : (( ويعود حسن الملكة إلى الرفق. فإن الملك إذا كان قاهراً، باطشاً بالعقوبات، منقباً عن عورات الناس وتعديد ذنوبهم، شملهم الخوف والذل، ولاذوا منه بالكذب والمكر والخديعة فتخلقوا بها، وفسدت بصائرهم وأخلاقهم، وربما خذلوه في مواطن الحروب والمدافعات، ففسدت الحماية بفساد النيات، وربما أجمعوا على قتله لذلك فتفسد الدولة ويخرب السياج، وإن دام أمره عليهم وقهره فسدت العصبية لما قلناه أولاً، وفسد السياج من أصله بالعجز عن الحماية. وإذا كان رفيقاً بهم متجاوزاً عن سيئاتهم استناموا إليه ولاذوا به وأشربوا محبته واستماتوا دونه في محاربة أعدائه، فاستقام الأمر من كل جانب……… ويضيف قائلا : (( واعلم أنه قلما تكون ملكة الرفق فيمن يكون يقظاً شديد الذكاء من الناس، وأكثر ما يوجد الرفق في الغفل والمتغفل. وأقل ما يكون في اليقظ أنه يكلف الرعية فوق طاقتهم لنفوذ نظره فيما وراء مداركهم واطلاعه على عواقب الأمور في مباديها بألمعيته فيهلكون. لذلك قال صلى الله عليه وسلم: ” سيروا على سير أضعفكم ” . ومن هذا الباب اشترط الشارع في الحاكم قلة الإفراط في الذكاء، ومأخذه من قصة زياد بن أبى سفيان لما عزله عمر عن العراق، وقال: ” لم عزلتني يا أمير المومنين؟ ألعجز أم لخيانة؟ ” فقال عمر: ” لم أعزلك لواحدة منهما، ولكني كرهت أن أحمل فضل عقلك على الناس ” . فأخذ من هذا أن الحاكم لا يكون مفرط الذكاء والكيس مثل زياد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، لما يتبع ذلك من التعسف وسوء الملكة، وحمل الوجود على ما ليس في طبعه،…….. ويضيف : ((وتقرر من هذا أن الكيس والذكاء عيب في صاحب السياسة، لأنه إفراط في الفكر، كما أن البلادة إفراط في الجمود. والطرفان مذمومان من كل صفة إنسانية، والمحمود هو التوسط: كما في الكرم مع التبذير والبخل، وكما في الشجاعة مع الهوج والجبن، وغير ذلك من الصفات الإنسانية. ولهذا يوصف الشديد الكيس بصفات الشيطان، فيقال شيطان ومتشيطن وأمثال ذلك.)) انتهى .
وعندما يقرر أن الإفراط في الذكاء عيب في صاحب السياسة لا يعني أنّ السياسي يجب أن يكون غبيّا ولكن المقصود كما قال الشاعر :
” ليس الغبيُ بسيّدٍ في قَوْمِهِ. . . لكنَّ سيِّدَ قَوْمِهِ المُتَغَابي
أيّ أنّ السياسي يجب أن يسيطر على عقله وذكائه ولا ينساق معه فيما لا تحتمله عامّة الناس , وبهذا يقول الجاحظ “وليس في الأرض عملٌ أكدّ لأهله من سِياسة العوامّ ” ويستشهد بقول الهذلي:
وإن سياسة الأقوامِ فاعلمْ … لها صَعْدَاءُ مَطلبُها طويل )) .
إنّ المشاهد المحسوس من الحزبيين العرب بشكل عام والإسلاميين منهم بشكل خاص أنّهم يعانون من نقص شديد في “الملكة السياسة” التي يقتدر بها على قيادة الشعوب والأفراد ,والساسة التي يملكونها , والذين أطلق عليهم القرآن مصطلح الربانيين ” مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ” قال مجاهد في تفسير الربانيين: وهم فوق الأحبار لأن الأحبار هم العلماء ,والرباني الجامع إلى العلم والفقه البصر بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية وما يصلحهم في دنياهم ودينهم)) وقال الطوسي ((الربانيون: هم العلماء البصراء بسياسة الأمور , وتدبير الناس)) .
وثمّة باب من العلم الشرعي لم يحظ بما يستحقّه من اهتمام وهو ضرورة التفريق بين ما كان يفعله النبي ( صلى الله عليه وسلم ) بصفته من السياسة الشرعية وبين ما كان يعدّ من الدين الذي لا يتغيّر ولا يتبدّل , وهذا أمر كان واضحا في أذهان القدامى , وقد أنكر ابن تيمية على بعض علماء عصره ذلك المسلك الذي يميّز بين ما كان يفعله النبي ( صلى الله عليه وسلم) سياسة وبين ما يفعله ديانة , وعزاه لجهلهم بالسنّة , وربما كان لتوسعهم بهذا الباب مسوّغ لابن تيمية في نقدهم , والحقيقة أنّ هذا مسلك دقيق وخطير ولا يستطيع تمييزه إلاّ الربانيون .
ولعلّه من نافلة القول التذكير بأنّ العامّة مفتونة بالمظاهر الشكلية لذلك فإنّ المهرجين يتفوقون على أصحاب العقول المتزنة والأفكار العميقة باكتساب قلوب الجماهير , وقيادتهم ؛ لذلك وجب على المفكرين من القادة أن يتعلموا فنون قيادة الجماهير التي تختلف كليّا عن عقلية الوسط الحزبي النخبوي الذي اعتادوا على التعامل معه , وللمرحوم تقي الدين النبهاني رأي نفيس في كتاب التفكير في بحثه عن التفكير في ” الغايات والأهداف ” وكيفية وضع الأهداف للشعوب , وبيان أنّ الشعوب لا تسير لتحقيق هدف ما لم يكن ممكن التحقيق عقلا وفعلا فأقتضى ذلك وضع الأهداف المرحلية للوصول للأهداف الحقيقية بسهولة ويسر .
وختاما فإنني آمل من مفكري الإسلام والقائمين على الدعوة الإسلامية وحملتها من الشباب المستنير إيلاء هذا الجانب ما يستحقه من اهتمام , والله أسأل أن يوفق الجميع لما يحبّه ويرضاه .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*