الرئيسية » إجتماعيات » (عبيد بلا أغلال) ..الحرية وأزمة الهوية في الخليج والجزيرة العربية
349

(عبيد بلا أغلال) ..الحرية وأزمة الهوية في الخليج والجزيرة العربية

حاكم المطيري:

يواجه شعب الخليج والجزيرة العربية اليوم تحديات كبيرة، وإشكالات خطيرة، تنذر بأن الأزمة قد تتفجر في أي لحظة ما لم يتم تداركها، وهي أزمة عميقة تضرب جذورها في صميم الهوية لشعب الخليج والجزيرة العربية، وحقه في المواطنة والحرية على أرضه وأرض آبائه وأجداده، حيث بات العرب في جزيرتهم وخليجهم يعيشون أزمة (الهنود الحمر)، تحت ظل الاستعمار الأمريكي، وقبله البريطاني لأرضهم، وتصرفه في شئونهم، وفرضه حلفاءه على المنطقة وشعوبها بقوة الحديد والنار، منذ سنة 1900م، وما زال المشهد كما هو منذ ذلك التاريخ إلى اليوم، حيث تفاجأ الخليجيون حين استفاقوا بأنهم (عبيد بلا أغلال)، فهم مواطنون بلا حرية، وشعب بلا هوية، وهو ما يوجب فتح ملف هذه القضية:

فما هي هوية شعب الخليج والجزيرة العربية؟

ومن الذي يشكّل هذه الهوية اليوم؟

وما مظاهر الأزمة والإشكالية التي يعيشها؟

وما أثر أزمة الهوية على الحرية السياسية وحقوق المواطنة؟

وما طبيعة العلاقة بين شعب الخليج والجزيرة العربية والأنظمة الحاكمة؟

وكيف قامت هذه العلاقة؟ ومتى قامت؟ ومن الذي أقامها؟ ومن الذي يحميها؟

ولم قامت على أساس التبعية والرعوية للحاكم، لا على أساس المواطنة للدولة؟

وعلى أي أساس كسبت الحكومات في دول الخليج العربي مشروعيتها؟

وهل هي تمثل الشعوب أم تمثل الأسر الحاكمة؟

وبأي حق دستوري أو شرعي يتمتع الآلاف من أفراد هذه الأسر والعشائر الحاكمة بكل الامتيازات بينما تحرم منها شعوبها؟

وعلى أي أساس يتم ارتهان حاضر شعب الجزيرة والخليج ومستقبله ومصالحه وثرواته وأوطانه للقوى الاستعمارية بقرار فردي، دون أن يكون لشعبها أي حق في تقرير مصيره؟

ومن الذي يسوس شئون المنطقة منذ سنة 1900م إلى اليوم؟

وما هو دور الحكومات الخليجية في تنفيذ ما يرسم لها؟

ولم تجمد الحراك السياسي في الخليج والجزيرة العربية حتى كاد يحتضر؟

ولم تعطل النمو الاقتصادي والنشاط المالي حتى كاد يختنق؟

ومن الذي يتحكم في الحراك السياسي والاجتماعي والاقتصادي؟

وكيف استطاعت بعض دول الخليج وضع دساتير صورية، وبرلمانات شكلية، وصناعة معارضة وهمية، لإضفاء الشرعية الدستورية على الحكم الأسري العشائري باسم الديمقراطية؟!

هذه بعض الأسئلة التي تحاول هذه الدراسة الإجابة عنها، بعد أن عالجت في كتابي (الحرية أو الطوفان)، وكتابي (تحرير الإنسان)، إشكالية الخطاب السياسي التاريخية والعقائدية، والأزمة التي تعيشها الأمة اليوم فكريا وثقافيا ودينيا حتى صارت من أكثر الأمم قابلية للاستعمار الخارجي، وخضوعا للاستبداد الداخلي، فرأيت أن الواقع السياسي أيضا يحتاج هو إلى دراسة تحليلية، إذ الخطاب السياسي الديني والثقافي السائد في المنطقة اليوم ما هو إلا استجابة ونتاج لهذا الواقع السياسي، فللأنظمة الحاكمة اليد الطولى في تشكيله وصناعته وتسويقه وترويجه، لترسيخ هذا الواقع باسم الدين، وليتم إضفاء الشرعية عليه، من خلال تحالفها مع حركات دينية باتت جزءا من هذه الأنظمة، تعمل لحسابها، وبدعمها المالي والسياسي، على حساب الشعوب وحقوقها وحريتها واستقلالها التي ما تزال ترزح تحت أبشع صور العبودية والطغيان السياسي الخارجي والداخلي؟

فكان هذا الكتاب الذي يكشف أبعاد أزمة الهوية، وأثرها على الحرية السياسية، وغياب حقوق المواطنة، ويعالج هذه الإشكالية، التي تتجلى في أوضح صورها في العبودية المطلقة التي يعيشها ويخضع لها الملايين من العرب الأقحاح على أرضهم وأرض أجدادهم في الخليج والجزيرة العربية، وفي الأغلال التي وضعت في أعناقهم منذ الحرب العالمية الأولى إلى اليوم، وفي التغيير الديمغرافي السكاني الذي تعرضت وتتعرض له جزيرتهم لتكريس هذا الواقع السياسي، ليكتشفوا بعد ثمانين سنة أنهم ليسوا مواطنين في دولهم، وليسوا شعوبا كباقي شعوب العالم، بل هم رقيق يعيشون في إقطاعيات أقامها الاستعمار الغربي، يعيشون فيها عبيدا على أرضهم، ويتم بيعهم وشراؤهم والتصرف فيهم في أسواق النخاسة العالمية، دون الرجوع إليهم، حتى غدا أفقر شعوب العالم العربي وأضعفها أقدر على التأثير في واقعه السياسي، وأقدر على المدافعة والممانعة للتدخل الأجنبي في شئونه، من ثلاثين مليون عربي خليجي، في جزيرة العرب، ليس لهم في تقرير مصيرهم أدنى رأي!

فكانوا كما قال الأول:

ويقضى الأمر حين تغيب تيم *** ولا يستأذنون وهو شهود !

فهم عبيد من حيث لا يشعرون، بعد أن اعتادوا على العبودية وأشربوها، وهم الشعوب الوحيدة في العالم كله التي لا تشارك – بل ولا يُرى لها حق – في اختيار حكوماتها ولو اختيارا صوريا، لأنه لا حق أصلا لها – في نظر الأنظمة الحاكمة – في الأرض فضلا عن السلطة والثروة والحرية وكافة حقوق المواطنة؟

وهي الشعوب الوحيدة في العالم التي ما تزال تُحكم بأنظمة أسرية حكما شموليا مطلقا، في بلدان هي أشبه بالإقطاعيات والعبيد منها بالدول والشعوب؟

وهي الشعوب الوحيدة التي تُمنح وتُحرم من حقوق المواطنة بجرة قلم دون أي ضمانات دستورية وقانونية – ولا حتى حق اللجوء للقضاء – تحمي هذه الشعوب من طغيان الأنظمة الحاكمة؟

وهي الشعوب الوحيدة في العالم التي ترتبط بالأنظمة الحاكمة، لا بالأرض والدول التي تعيش عليه؟

وهي الشعوب الوحيدة في العالم كله التي تشكل الأسر الحاكمة ثلث أو نصف الوزراء في حكوماتها، وتستأثر بكل وزارات السيادة دون أن يجرؤ أحد على الاعتراض؟

وهي الشعوب الوحيدة في العالم التي تستأثر الأنظمة الحاكمة لها بما يقارب ثلث دخل النفط كحق طبيعي، دون أن يجرؤ أحد على محاسبتها، حتى بلغت ثرواتها الخاصة أكثر من (2ترليون) ألفي مليار دولار في الداخل والخارج؟

وهي الدول الوحيدة في العالم التي يحصل فيها أبناء العشائر الحاكمة – ويبلغون الآلاف – على مخصصات مالية منذ الولادة إلى الوفاة كحق مشروع من الثروة دون أي عمل أو جهد؟

هذا مع العلم بأن عامة الخليجيين مدينون للبنوك بالقروض الربوية المملوك أكثرها للأسر الحاكمة نفسها، حيث بلغت نسبة المدينين من الشعب الكويتي وحده 97 % كما تؤكده الإحصائيات والدراسات!

وهي الشعوب الوحيدة في العالم التي لم تعرف في تاريخها مشكلة الاستعمار ولا مفهوم التحرير والاستقلال؟

وهي الشعوب الوحيدة في العالم التي احتلها الاستعمار البريطاني مدة قرن كامل وحكمها بخمسة موظفين، وخرج منها دون أن يواجه حرب تحرير شعبية أو ثورة استقلالية، ولا تختزن ذاكرتها الجماعية أي بطولات أو أبطال للتحرير والاستقلال؟

وهي الشعوب الوحيدة في العالم التي تخضع اليوم للاستعمار العسكري الأمريكي المباشر، والذي يتخذ منها قاعدة لاحتلال الدول الأخرى والسيطرة عليها، دون أن تشعر هذه الشعوب بمشكلة أو تعيش إشكالية؟

كل هذه الأسئلة المطروحة لا يمكن معرفة أجوبتها، ولا اكتشاف أسبابها وعللها، إلا بقراءة واعية لتاريخ المنطقة وتاريخ شعوبها، لمعرفة كيف قامت دولها، وما دور الحملة الصليبية الغربية الثامنة منذ الحرب العالمية الأولى في تشكيلها، ورسم حدودها، وفرض هذا الواقع عليها، وكيف نجحت حكوماتها بتوجيه من القوى الاستعمارية في خلق ثقافة دينية إسلامية تدافع عنها وتتعايش معها، وتقبل هذا الواقع بكل ما فيه من إشكاليات وتناقضات لتقف حاجزا منيعا أمام كل قوى التغيير الوطني والقومي والإسلامي لصالح الاستعمار الأجنبي والاستبداد الداخلي، ولتظل شعوب المنطقة منذ الحرب العالمية الأولى إلى اليوم تعيش حالة (فقدان الذاكرة)، وتتداولها أيدي الدول الغربية الصليبية الاستعمارية وحملاتها العسكرية البريطانية ثم الأمريكية بمباركة من الثقافة الدينية؟!

هذا وقد قمت بتقسيم الدراسة إلى :

1- الباب الأول: إطلالة تاريخية ومقدمات ضرورية عن إشكالية الهوية ومفهوم الحرية.

الفصل الأول: تاريخ الخليج والجزيرة منذ ظهور الإسلام إلى العهد العثماني.

الفصل الثاني: قيام الدويلات المذهبية في الخليج والجزيرة العربية.

الفصل الثالث: الحملات الصليبية على الخليج والجزيرة العربية.

الفصل الرابع: الأوضاع السياسية والإدارية للخليج والجزيرة العربية في الدولة العثمانية.

الفصل الخامس: المكونات الاجتماعية الرئيسية ونفوذها ومناطق وجودها.

2- الباب الثاني: تاريخ دويلات الطوائف في الخليج والجزيرة العربية:

الفصل الأول: ظهور دويلات الطوائف في الخليج والجزيرة العربية.

الفصل الثاني: الحرب العالمية الأولى مقدماتها وتداعياتها.

الفصل الثالث: مشروع الثورة العربية والمملكة العربية المتحدة.

الفصل الرابع: مؤتمر القاهرة سنة 1920م وتأسيس دويلات الطوائف.

الفصل الخامس: تجليات أزمة الهوية.

وقد التزمت في هذا الدراسة أن لا أورد فيها من الأحداث إلا ما ثبت وقوعه ثبوتا قطعيا بالأدلة التاريخية الموثوقة كتابيا، وأن أتجنب التحليل والاستنتاج، قدر الإمكان، وأن أقتصر على الربط بين الحوادث كما هي، وذلك بالرجوع إلى عشرات المصادر التي ذكرتها، خاصة الوثائق البريطانية والعثمانية ووثائق حكومة الهند البريطانية، وحيث تواتر ذكر الحادثة في أكثر من وثيقة مختلفة المصدر والجهة، فلا أطمئن لذكر حادثة ما لم تؤكدها جهات عدة مختلفة، كالوثائق العثمانية والبريطانية إذا ذكرتا أو أشارتا إلى حادثة معينة.

ولا يتصور واهمٌ أن حجية الوثائق البريطانية مطعون فيها، إذ تلك الوثائق إنما كان يكتبها المسئولون البريطانيون لحكومتهم، ويرصدون فيها أحداث المنطقة التي احتلوها وأصبحوا يديرونها مدة قرن تقريبا، وكانوا يرونها جزءا من مستعمراتهم التابعة لهم، فهم أدرى بمجريات حوادثها، ولا يوجد ما يحملهم على تزييف الحقائق، إذ سبب نجاحهم في السيطرة عليها هو عنايتهم بتدوين كل حدث يجري بموضوعية وعلمية ليساعدهم ذلك على اتخاذ القرار الصحيح لبسط نفوذهم على المنطقة، فهم حين كتبوا تاريخ المنطقة لم يكتبوه كمؤرخين، وإنما كتبوه لرؤسائهم كمسئولين يديرون شؤون مناطق خاضعة لهم، وأكثرها ظلت وثائق سرية لديهم حتى مضى زمنها الذي يخشى من الإعلان عنها فيه!

وإنما المقصود عندي هو عرض تاريخ المنطقة كما هو، لا كما زيفته الثقافة الرسمية التي اصطنعها الاستعمار الغربي للمنطقة، في حملته الصليبية الثامنة على العالم الإسلامي منذ الحرب العالمية الأولى، وقد ترتب على هذا التزييف تداعيات سياسية خطيرة ما زالت شعوب المنطقة تدفع ثمنها إلى اليوم، ولعل من أشدها خطرا أزمة الهوية التي يعيشها (الهنود السمر) اليوم في جزيرة العرب، ليصبحوا اليوم غرباء على أرضهم وأرض أجدادهم وموطنهم منذ عدنان وقحطان، لا لشيء إلا لأنهم فقدوا الذاكرة الجماعية، بعد عقود من الطغيان والتضليل الثقافي والإعلامي الذي مارسه كبار دهاقنة السياسة والثقافة المأجورين باسم الوطنية تارة، والديمقراطية تارة أخرى، والدين تارة ثالثة!

هذا وأسأل الله أن يعجل بفرجه لهذه الأمة المنكوبة، والشعوب المنهوبة، وحقوقها المسلوبة، كما أسأله سبحانه التوفيق والسداد في القول والعمل، وأن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم، وهو سبحانه ولي التوفيق.

ملحوظة : هذه المقالات مختصرة من كتابي (عبيد بلا أغلال) بما يناسب عامة القراء، أما تفصيل الأحداث فإلى حين صدور الكتاب مطبوعا كاملا، وإلى صدور أيضا كتابي الموسوعي الوثائقي (الدويلات الصليبية في الخليج والجزيرة العربية)!

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*