الرئيسية » عربستان » الجزائر‎ » الغاز الصخري في الجزائر بين الرفض الشعبي و تعنت السلطة
ben_hadj_565431839

الغاز الصخري في الجزائر بين الرفض الشعبي و تعنت السلطة

الغاز الصخري أو الحجري هو غاز طبيعي غير تقليدي يتولد داخل صخور السجيل التي تحتوي على النفط ، و تتميز تكوينات صخور السجيل الموجودة في أعماق تصل الى نحو ألف متر تحت سطح الأرض باحتوائها على نسبة عالية من المواد العضوية الهيدروكربونية تتراوح بين 0.5 و25 في المائة وهو غني بسوائل الغاز و منها الايثان، يستخرج بطرق دقيقة ومعقدة، ويتم استخدام تقنيات حديثة ومتطورة جدا لاستخراجه ، وتمتاز هذه التقنيات بالدقة والكفاءة العالية ، ويتم استخدام الضغط العالي للمياه المخلوطة برمال ومواد كيمياوية لتشقيق وتكسير الصخور الغنية بالغاز في أعماق تتجاوز الكيلومتر.
تؤكد تقارير تتعلق بعمليات استخراج الغاز الصخري من خلال عملية التشقيق الهيدروليكي أن ذلك يحتاج إلى حوالي خمسة ملايين غالون من الماء لكل بئر، و أزيد من 200 مادة كيمياوية تشكل تهديدا مباشرا للبيئة و الانسان و بقية الكائنات الحية من حيوانات و نبات، فهو يتسبب في تلويث المياه الجوفية، من خلال انتاجها لمخلفات ملوثة و مشعة ، بالإضافة الى تسبب هذه التقنية بتسرب غاز الميثان الذي يعتبر أكثر ضررا من ثاني أكسيد الكربون.
لا تخلو عملية استخراج الغاز الصخري من مخاطر تخل بالتوازن البيئي ، في مناطق الحفر تسبب استنزافا للموارد المائية ، و استخدام الكيماويات في المياه التي يتم ضخها لتكسير الصخور ، قد ينجم عنه تسرب الكيماويات و تلويثها للتربة و مصادر المياه الجوفية ، يضاف الى ذلك أن استخدام المياه الممزوجة بالكيماويات في عملية الحفر ينتج عنه مياه صرف صناعي ملوثة بكيماويات مذابة فيها ، مما يجعل تلك المياه غير قابلة لإعادة تدويرها مرة أخرى ، الأمر الذي يترتب عنه ارتفاع في التكاليف .
بدأت قضية الغاز الصخري في الجزائر منذ سنتين تقريبا بعد موافقة البرلمان الجزائري بالإجماع على مشروع قرار استغلال الغاز الصخري في البلاد، لم يكن يعلم الجزائريين بطبيعة هذا المشروع ، إلا بعد ما تعالت أصوات قليلة من داخل البرلمان نفسه تطالب بضرورة الغاء هذا المشروع و حذرت من خطورته و تكاليفه الباهظة ، و اذا نظرنا الى التكاليف في الجانب الاقتصادي في استغلال هذه الطاقة في الجزائر فهي مكلفة جدا ، تكلفة البئر الواحدة تبلغ 30 مليون دولار ما يعني ثلاث مرات تكلفته في أمريكا ، و استخراج مليار متر مكعب من الغاز الصخري يتطلب حفر 600 بئر و مليون متر مكعب من المياه و هذا يشكل تهديدا للمياه الجوفية الجزائرية ، ومدة استغلال البئر الواحد ة لا يتعدى خمس سنوات ، مما يجعل المردودية ضعيفة جدا و الخبراء يؤكدون بأنه لايمكن استغلال أكثر من 20 في المائة من هذا الغاز.
حسب وزارة الطاقة الأمريكية تأتي الجزائر في المرتبة الثالثة عالميا بعد الصين و الأرجنتين باحتياطي قدر ب 707 تريليون قدم مكعب ، و هذا أخلط حسابات السلطة و الشركات العالمية التي قررت في يوم من الأيام عدم العودة الى الاستثمار في الجزائر، لتعود بعدها و تبدي اهتمامها بعد اقرار السلطات الجزائرية استكشاف الطاقات الغير التقليدية خاصة الغاز الصخري ، و فصلت الشركات البترولية في موقفها المتعلق بالاستثمار في الجزائر على خلفية تعديل قانون المحروقات 07/ 05 سنة 2013 ، و العقود المحفزة التي منحها للمؤسسات الاستثمارية منها 11 سنة للاستكشاف و 40 سنة للاستخراج ، مع امكانية طلب المؤسسة المستثمرة طلب التمديد لخمسة سنوات .
فعلا بدأت الشركات البترولية في التنقيب عن الغاز الصخري في الجنوب الجزائري بعد ما أعطى رئيس الدولة الاذن بذلك ، هذا بعد تمريره على قبة البرلمان بغرفتيه الذي ينظر اليه من غالبية الشعب بأنه أداة شكلية للسلطة لإضفاء الشرعية الشعبية على قراراتها لاغير ، و بمجرد اعلان هذا القرار بدأت خيوط المعارضة لهذا الخيار تتحرك عبر مواقع التواصل الاجتماعي معتبرين اياه بالقرار العشوائي و الخطير المهدد للأجيال القادمة ، و تطور هذا الحراك و انتقل الى الشارع في المناطق المجاورة للحفارات بوعي تام من المحتجين بخطورة هذا المشروع ، و شكلت هذه النقلة النوعية صدمة للسلطة الجزائرية ، التي لم تتوقع معارضة بمثل هذا المستوى و الشكل الواعي و المثقف ، بحكم أن مطالبهم غير سياسية بل بيئية و صحية قالوها بصوت عال ، لهم الحق في ذلك بحكم ان الغاز الصخري يشكل خطرا على صحة ساكنة المناطق المجاورة للحفريات فان القانون الجزائري يحمي صحة المواطنين حسب (المادة 54) من الدستور الجزائري التي تنص على حق المواطنين في الرعاية الصحية ، و تأتي (المادة 50) من القانون المتعلق بحماية البيئة في إطار التنمية المستدامة بنصها على مايلي ” يمنع كل فعل من شأنه المساس بنوعية المياه السطحية أو الباطنية أو الساحلية” و (المادة 51) من نفس القانون تنص على ” منع كل صب أو طرح للمياه المستعملة أو رمي للنفايات أيا كانت طبيعتها في المياه المخصصة لإعادة تزويد طبقات المياه الجوفية و في الآبار والحفر و سراديب جذب المياه التي غير تخصيصها”، من خلال قراءتنا للمادتين نلاحظ أن المشرع استعمل أسلوب الحظر المطلق بالنسبة لتصريف المواد التي لها انعكاسات سلبية على الصحة العمومية والموارد الطبيعية الحيوية أو التنمية الاقتصادية ، والغاز الصخري بمواده الكيمياوية يلوث المياه الجوفية ، و هذا خطر على القاعدة المائية الجوفية الهائلة التي تمتلكها الجزائر و المقدرة بـ40 ألف مليار م3، ويتم حاليا استخراج 7.1 مليار م3 من المياه الجوفية سنويا في الجزائر، ما يعني أن الكمية المتوفرة تكفي لمئات الأعوام بالوتيرة الحالية لاستغلال الماء في الجزائر، و اذا استغل مشروع الغاز الصخري على الكمية تصبح لافائدة منها.

و بهذا السلوك الثوري من سكان الجنوب أرادت السلطة أن تراوغ هذه المطالب المشروعة بمجموعة من التصريحات من مسئولي الدولة و هي متنوعة و تصب في قالب واحد وهو الاستمرار في هذا المشروع و لكن وعي أهل الجنوب وقف ضد هذه التصريحات و اعتبروها مجرد مراوغات ، وتوسعت الاحتجاجات الى مناطق أخرى من الجنوب الجزائر و نظمت المسيرات و الاعتصامات ، و السلطة أربكت من جديد ، مما جعل الوزير الاول يستنجد بنواب البرلمان لإسقاط هذه الاحتجاجات و التشويش على الحركة الشعبية ضد الغاز الصخري ، وفشلت كل مساعي الحكومة لوقف الاحتجاجات ، رفض المحتجين الرجوع عن مطالبهم و أكدوا للجميع من جديد بأن مطالبهم واضحة وغير سياسية ، وصلت الرسالة الى حكام الجزائر و ردت السلطة بأسلوبها المعروف بوقف هذا المشروع بقرار من رئيس الدولة ، و سرعان ما خرج أحد أهم المسؤولين للرأي العام بأن هذا المشروع مستمر و نحن ملتزمون بالعقود المبرمة مع الشركات الأجنبية، و هذا تحد للجزائريين و استفزاز للمحتجين ، لماذا لا نوقف هذا المشروع نهائيا و نخطو خطى الأمم الأخرى ، في الأرجتنين مثلا تم سحب رخصة الاستغلال من شركة ”ريبسول” الإسبانية من قِبل رئيسة الأرجنتين ، و موجة الغضب في ألمانيا سببت توقف نشاط شركة ”شيفرون” الأمريكية بخرج الآلاف من المتظاهرين ، وكانت شركة ”شيفرون” الأمريكية قد قرّرت أيظا وقف مشاريعها الخاصة باستغلال الغاز الصخري في رومانيا بسبب رفض الشعب الروماني لهذا المشروع، و أكدت فرنسا على قانون 13 جويلية 2011 الذي يحظر استعمال تقنية التكسير الهيدروليكي المستخدمة في التنقيب عن الغاز الصخري، لتغلق الملف الذي أثار جدلا واسعا ، و الجزائر تؤكد على انطلاق مشاريع استغلال الغاز الصخري بتعنت السلطة و رفض الشعب الكامل لهذا القرار ،و هذا السلوك جعل المحتجين يستمرون في احتجاجاتهم و بقوا صامدون في مواقعهم لغاية توقف نهائيا و ليس مؤقتا لهذا المشروع.
توسعت الاحتجاجات الشعبية أكثر و هذه المرة انتقلت الى الشمال الجزائري و أصبح وقف استغلال الغاز الصخري مطلب كل الجزائريين ، و خرج الجزائريون بالآلاف ليعبروا عن رفضهم لهذا المشروع الخطير و المدمر للبيئة و للإنسان و الحيوان مشروع الخراب الغاز الصخري، فكانت ضربة موجعة و قاسية جدا للموالين لهذا المشروع في الجزائر ، أربك هذا الخروج الجماهيري السلطة بانتشار رهيب لقوات الأمن في العاصمة و غلق منافذها تخوفا من موجة شعبية كبيرة و مع ذلك خرج الجزائريون وكان استفتاء شعبي ضد هذا المشروع و تعبير منهم على وحدة البلاد شمال جنوب شرق غرب موطن واحد ، و كانت سلمية بينت للجميع بان الشعب ضد العنف و كسرت هذه الخرجة أفكار دعات ” اللاأمن و العنف و ضرب استقرار البلاد ” ، انه مطلب شرعي و سلمي كل الشعب ضد هذا المشروع لأنه ببساطة خطر على مستقبل البلاد البيئي و الصحي و الاقتصادي.
ليس هناك فرق بين التجارب النووية التي قامت بها الحكومة الفرنسية في الجنوب الجزائري الكبير واستغلال الغاز الصخري في نفس المنطقة، فالأولى هي جريمة ضد الانسانية و الثانية هي جريمة ضد الانسان و البيئة و الحيوان ، اختلفت الأساليب و النتائج واحدة ، دفع الفرنسيون ثمن حماقتهم، فعاقبها الجزائريون بحرب عظمتها سطرها التاريخ، وها نحن اليوم في جزائر “الاستقلال” نرى حماقة أخرى ستلوث جنوبنا الكبير بعدما تم تطهيره من وسخ فرنسا بدماء الشهداء، انه فعل لا وجود له في قاموس الأخلاق و لا أثر له في معجم الانسانية ، انها مشكلة و معضلة حلها بيد الشرفاء في هذا البلد ، انهم يريدون القضاء على الانسان أولا و الثروة المائية ثانيا و الثروة الزراعية ثالثا ، و هي مقومات قل مانجدها في بلدان أخرى ، ان الذهب الحقيقي فوق الأرض و ليس تحتها ، ستبذر الملايين من اللترات التي من المفروض توجه الى الفواكه و الخضروات و البذور و غيرها ، الجزائر بلد يمتلك كل مقومات القوة و توظيفها بشكل صحيح يجعل البلاد ذو فاعلية و توازن كبيرين في المجتمع الدولي ، الغاز الصخري مدمر و ملوث و خطر على البيئة و الانسان و الحيوان و الماء و الزراعة و كل شيء ، ان مستقبل الجزائر ليس في موارد الطاقة التقليدية و الغير التقليدية انما في الثروة الزراعية و الثروة البشرية و الثروة العلمية …و هل سيدفع هؤلاء من هم وراء الغاز الصخري ثمن حماقتهم اذا استمروا في موقفهم هذا ؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*