الرئيسية » عربستان » الجزائر‎ » رحلة الجنرال علي بن داود من القاع إلى القمة إلى القاع. الحلقة الخامسة والأخيرة
143905650176656

رحلة الجنرال علي بن داود من القاع إلى القمة إلى القاع. الحلقة الخامسة والأخيرة

فشل الجنرال عبد الحميد بن داود فشلا ذريعا في مسعاه للسيطرة على مجلس الديانة الإسلامية في فرنسا جعله يبحث عن طريقة يبيض بها صورته أمام مسؤوليه بوتفليقة وتوفيق. بلغه من أعوانه داخل مسجد باريس أن أحد حراس المسجد كان ابن عم زعيم الجماعة السلفية للدعوة والقتال حسان حطاب فأرسل إليه من يحاول تجنيده.
قام الوسيط الذي أرسله بن داود باقتراح مبلغ كبير من المال على قريب حطاب للسفر إلى قريته مزودا بشريحة الكترونية يتم عن طريقها تعقب زعيم الجماعة الإرهابية وقتله بعد لقاء ابن عمه له. لكن حارس المسجد خاف على نفسه ورفض التعاون بل وهدد بإبلاغ الشرطة.
انتقم بن داود منه بأن كلف أحد صغار أعوان المخابرات الجزائرية بإبلاغ زوجته بالهاتف بأن لزوجها علاقات بالجماعات الإرهابية الجزائرية وأنه ابن عم أحد أهم قادتها وليس سمِيّا لهذا الإرهابي فقط كما كان يحاول اقناعها حين كانت تسأله عن التشابه في الألقاب التي يحملها هو وابن عمه. انتهى الزوجان إلى الطلاق بسبب نزعة الإنتقام الصبيانية التي تتحكم في نائب مدير المخابرات الجزائرية المعزول.
تقول بعض المصادر بأن تعيين الرائد محمد مولسهول الذي كان ينشر نصوصا أدبية باسم زوجته ياسمينة خضرة مديرا للمركز الثقافي الجزائري كان باقتراح من بن داود الذي حاول استغلال الإنتشار الواسع لرواياته المؤيدة للطروحات الإستئصالية التغريبية في معركته ضد المعارضة.
تضيف ذات المصادر بأن بن داود هو الذي أقنعه بكتابة نصوص تدين المقاومة الفلسطينية في اسرائيل وتتهمها بالإرهاب من أجل كسب تعاطف اللوبي الصهيوني في فرنسا وفي الغرب عموما. وإذا كان ذلك صحيحا فإنه يقوي طروحات مصادر أخرى عن علاقات خفية تجمع بن داود بضباط من السفارة الإسرائيلية في باريس، خصوصا وأن بن داود كان وراء كتابات الصحفي الجزائري محمد سيفاوي وبعض “مفكري” المخابرات الفرنسية ومنهم برنارد هنري ليفي وأندري غلوكسمان الذين كانوا يصفون الإسلام السياسي بأنه “النازية الخضراء”.
انتقام علي بن داود من كل من يهدد طموحاته وصل إلى ميسوم سبيح السفير الجزائري المعين حديثا في باريس سنة 2005. شعر مندوب المخابرات بأن السفير يتآمر عليه مع القنصل العام عبد الرحمن مزيان شريف الذي كان وزيرا للداخلية في أولى حكومات الإنقلاب العسكري في الجزائر ففكر في وسيلة تلهيانهما عنه، وكانت أحسن وسيلة هي تسريب معلومات كثير منها صحيح عن علاقات ابن ميسوم سبيح برجال الأعمال واستفادته من صفقات مشبوهة مقابل استخدام نفوذ أبيه لتسهيلها.
في حقيقة الأمر حاول بن داود استمالة مزيان شريف لمعرفته بعلاقته المتميزة مع أهم قيادات المخابرات الجزائرية، لكن هذا الأخير كان فظا معه بسبب المعلومات التي كانت تصله عن ادعائه كذبا بأنه ابن أخ عمر بن داود أحمد كبار قادة الحركة النضالية المؤيدة للثورة الجزائرية في أوروبا.
قبل أن يترك فرنسا حرص الجنرال بن داود على تأمين مستقبل أبنائه، أقنع ابنته مكرهة على قبول الزواج باين الوزير الأول الحالي عبد المالك سلال الذي كان بوتفليقة يفكر في تعيينه رئيسا للحكومة قبل 12 سنة ثم تراجع بسبب عدم قدرة سلال على كتمان قرار تعيينه الذي لم يكن قد وقع بعد. عين عبد الحميد بن داود كذلك ابنه في المدرسة الجزائرية بباريس رغم أنه لا يحمل أية شهادات تناسب منصبه.
بمجرد عودته إلى الجزائر نهاية 2008 تمت ترقيته من رتبة عقيد إلى رتبة عميد رغم رجوعه بخفي حنين وخفي دليل بوبكر معهما؛ ليس هنالك أي تفسير منطقي لذلك إلا رغبة بوتفليقة في استثمار علاقاته الجيدة بالمخابرات الغربية لصالحه، ولذلك عينه مديرا للعلاقات الخارجية في جهاز المخابرات رغم تحفظ الجنرال توفيق.
كان بوتفليقة وأخوه سعيد يتوقعان من بن داود أن يقدم الولاء لهما وحدهما، لكن بن داود خاف أن يقامر بالتحيز لطرف دون آخر فينتصر الطرف الذي تخلى عنه ويتحمل بذلك عواقب وخيمة تقضي على طموحه بل على سلامته الجسدية.
كان بن داود بحكم منصبه الجديد يتردد كثيرا على رئاسة الجمهورية؛ يصف أحد العاملين في رئاسة ديوان بوتفليقة تلك الزيارات فيقول: إن الجنرال نجيب رئيس ديوان رئيس الجمهورية كان يتعامل معه بقلة احترام تصل أحيانا إلى الإهانة.
بين 2009 و2013 لم يفعل بن داود شيئا غير لقاء الملحقين العسكريين والأمنيين في السفارات الأجنبية في الخارج. لم يحقق أي انجاز كبير يستطيع من خلاله محو فشله في باريس ولكنه استمر في لعب دور العميل المزدوج للمخابرات الجزائرية والفرنسية ولبوتفليقة وتوفيق.
كان بن داود في حقيقة الأمر نسخة مصغرة من الفريق توفيق الذي كان دائما يحاول اتخاذ موقف اللاموقف في الصراعات السياسية والأمنية. خلال مشواره المهني استطاع توفيق أن يوهم الجنرالين نزار وبلوصيف بأنه صديق لهما في أزمة 1986 وفعل نفس الشيئ مع نزار والشاذلي بن جديد قبل انقلاب 1992 ثم مع العماري وبوتفليقة في أزمة العهدة الرئاسية الثانية في 2004. تأثر بن داود بالتوفيق تلخصه عبارة واحدة: هذا الجرو من ذاك الدوبيرمان.
سقط على طاولة القمار السياسي هذه رقم جديد هو رئيس الأركان الفريق أحمد قايد صالح الذي نجح في ابداء الولاء المطلق لبوتفليقة وتمكن من القضاء نهائيا على أكثر شخص كان يزعجه بعد توفيق هو عبد المالك قنايزية نائب وزير الدفاع. كانت استراتيجية صالح ومستشاريه هي تهديد كل من يرفض التعاون معه في مشروع اعادة ترشيح بوتفليقة لعهدة ثانية بملفه الحقوقي الأسود، لذلك وجد أن بن داود بحكم علاقاته بالخارج يصلح فزاعة مناسبة يتم بها تخويف الجنرالات المارقين فتم تعيينه مديرا للأمن الداخلي في صيف 2013 حين استلم قايد صالح منصب نائب وزير الدفاع الذي رسم فيه في سبتمبر 2013 رغم أنه تولاه فعليا قبلها بعدة أشهر.
وقعت قبل انتخابات أفريل 2014 معركة دامية بين جناح توفيق وجناح بوتفليقة سقط ضحيتها الكثيرون، كان أهمهم الجنرال جبار مهنا والجنرال بشير طرطاق والجنرال عبد القادر آيت أوعرابي (المعروف بالجنرال حسان) والعقيد عبد القادر حداد (ناصر الجن) والعقيد فوزي. كان الجنرال توفيق الذي قلد حديثا “وسام الشجاعة” جبانا كعادته فتخلى عن كل من كان محسوبا على جناحه وأبدى الطاعة المطلقة لمؤيدي العهدة الرابعة.
استغل قايد صالح ذلك ببراعة فاستمال بشير طرطاق الذي أحس بإهانة الغدر والخيانة فانقلب على توفيق، أما المارقون الآخرون فقد قام الجنرال قايد بتأديبهم كل بما يليق بمقامه ويناسب خطره. ألقى القبض على الجنرال حسان في اقامته في سيدي فرج بعد أن قطع عنه الماء والكهرباء، مستخدما قوتين من رجال الصاعقة وأفراد مجموعة التدخل الخاص GIS الذين أمضى توفيق قرار مشاركتهم في العملية ليقدم دليلا ماديا لبوتفليقة أنه “مسكين خاطيه المشاكل” وأنه لا يتآمر على الرئيس.
خلال فترة عمل توفيق وبن داود كان كل منهما يتجنب الآخر، وكانت لقاءتهما في وزارة الدفاع نادرة الحدوث. اكتفى بن داود بدور الفزاعة الذي أريد له أن يلعبه لكنه لم يشارك مشاركة فعالة في معركة قايد صالح ضد توفيق خوفا من أن يقوم توفيق بتسريب ملفه الأسود إلى الصحافة. كان مرض بوتفليقة دافعا قويا بالنسبة لبن داود لكي لا يقامر بكل أمواله على حصان واحد في معركة الحصانين العجوزين الخبيثين.
موقف بن داود السلبي أقنع جماعة بوتفليقة بأن المراهنة عليه مضيعة للوقت لكن اقالته كانت صعبة بسبب علاقاته المميزة بالفرنسيين وبغيرهم. رغم ذلك نجح أحمد قايد صالح في اقناع بوتفليقة بأن ابقاءه خطر كبير بالنظر إلى حلفه العائلي مع عبد المالك سلال الذي يسعى ليل نهار إلى أن يصبح رئيسا للجمهورية في حياة بوتفليقة أو بعد وفاته.
أقيل بن داود من منصبه باقتراح من قايد صالح وبعد اقتناع بوتفليقة وأخيه سعيد بأنه لا يؤمن جانب بن داود وسلال وأنهما قد ينقلبان على الجناح الرئاسي الحاكم اليوم في أول فرصة سانحة لهما.
يقول مؤيدو سلال وبن داود إن قرار الإقالة لم يؤثر كثيرا على موقف الصهرين وإن بن داود سيعود بقوة وسيعين مكان الجنرال توفيق قريبا. ويقول العقل والمنطق والحسابات السياسية السليمة إن بوتفليقة سيرتكب غلطة عمره إذا سمح لسلال بصهره بخلافته وخلافة توفيق لأن هذا الأخيرين مستعدان لبيع أمهما وأبيهما من أجل تحقيق طموحهما في الرئاسة والإستمرار رئيسا ومدير مخابرات مدى الحياة.

تعليق واحد

  1. يسين سليمي

    لا حول ولا قوة الا بالله

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*