الرئيسية » عربستان » الجزائر‎ » رحلة الجنرال علي بن داود من القاع إلى القمة إلى القاع. الحلقة الرابعة
1669023_3_7310_nicolas-sarkozy-et-le-recteur-de-la-grande_95a379a53a3177365c74c6b27defc837

رحلة الجنرال علي بن داود من القاع إلى القمة إلى القاع. الحلقة الرابعة

من حق البعض أن يتساءل كيف نصف الجنرال عبد الحميد بن داود بالبلاهة والغباء ثم نتحدث عن براعته في تصيد الفرص وتسلق السلم الإداري في الجيش والمخابرات بسرعة. هنالك في حقيقة الأمر نوعان من الذكاء: ذكاء يعتمد على حس الإنسان المرهف تجاه الظواهر المادية والإجتماعية وذكاء يعتمد على نزعته الحيوانية للبقاء واشباع رغباته البهيمية. في هذه الحلقة سوف تكتشفون معنا كيف عجزت ملكات بن داود في النفاق ومواهبه في تصيد الفرص أن تساعده في معركة تمثيل الجالية الجزائرية داخل المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية.
كان انشاء المجلس فكرة وزير الداخلية آنذاك نيكولا ساركوزي الذي كان يسعى إلى أمرين: خلق مبرر للخلاف بين الجاليات المغاربية في فرنسا خصوصا الجزائرية والمغربية بعد أن فشلت الخلافات السياسية بين نظام المخزن ونظام الجنرالات في توسيع الشق بين الجاليتين. والقضاء على النفوذ التقليدي للجزائر في الأوساط الإسلامية الفرنسية لصالح أي طرف آخر مهما كان، ملك المغرب أو ملك السعودية أو أمير قطر.
كانت أولوية ساركوزي هي اقصاء أكبر قدر من الأشخاص والجمعيات المحسوبين على الجزائر من قائمة المندوبين الذين سيصوتون على أعضاء المجلس البالغ عددهم 41، وكانت أسهل طريقة لذلك في رأيه هي نقض أغلب قرارات وزير الداخلية السابق جون بيار شوفانمون الذي وضع القواعد الأساسية للمجلس وهو أحد أصدقاء الجزائر منذ الإستقلال. لكن العجيب أنه في ذات الفترة التي كان ساركوزي يحارب فيها المصالح الجزائرية في فرنسا كان الجزائريون يفكرون في مساعدته على الوصول إلى منصب الرئيس بل إنهم أقنعوا حاكم ليبيا معمر القذافي بدعمه ماليا؛ ولم يكن بن داود إلا واحدا من المتحمسين لهذه السياسة الخرقاء.
عندما يتصادم عميلان متمرسان في النفاق فلا بد أن من ينتصر منهما الأكثر خبرة وذكاء؛ لذلك انتصر دليل بوبكر عميد مسجد باريس وابن عميدها السابق حمزة بوبكر على الجنرال بن داود الذي كان يتصرف بعقلية الإنكشارية، عقلية المماليك وفرسان مالطا محاولا فرض رأيه بالقوة في كل مناسبة، حتى أنه هدد دليل بوبكر بالسلاح داخل مسجد باريس.
لكي يضغط على بوبكر هدد بن داود عميد المسجد بتسليم المخابرات الفرنسية نسخا من التقارير التي كان يرسلها إلى المخابرات الجزائرية منذ استلم عمادة المسجد في 1992. لكن دليل بوبكر لم يهتم كثيرا بذلك التهديد لأن المخابرات الفرنسية كانت تعلم بأنه عميل مزدوج بل كانت تحثه على أن يلعب ذلك الدور لأسباب ظرفية وأخرى استراتيجية تحكم علاقاتها مع مخابرات الجنرال توفيق.
عندما فشل في تهديده ذلك، استخدم بن داود نفوذه لتقوية دور عملاء المخابرات الجزائرية الذين ورثهم ممن سبقه في السفارة داخل مسجد باريس. من هنا بدأ دليل بوبكر يكيد له عند أصدقائه في أجهزة الأمن الفرنسية الذين أيقنوا أن رجلهم المفضل في مخابرات الجزائر بدأ يتجاوز دوره المرسوم له ويهدد التوازنات التي أريد لها أن تتحقق داخل دائرة صنع القرار الإسلامي في فرنسا من أجل ارضاء طموحه لأن يترقى بسرعة من عقيد إلى جنرال.
كان سليمان نظور وشمس الدين حفيز وميلود بن عمارة هم الثلاثة الذين اعتقد بن داود أنه سيطر بهم على مسجد باريس، وكتبت الصحافة الفرنسية في الفترة التي عمل فيها بن داود في باريس (1999-2008) عن اختلاسات كبيرة وقعت في مسجد باريس وقف الثلاثة وراءها لكنه تم التكتم عليها بفضل علاقات هؤلاء بالسفارة الجزائرية التي تساهم بمبلغ كبير في ميزانية مسجد باريس.
حاول بن داود الاستعانة بكمال قبطان مدير مسجد ليون الذي قامت السعودية ببنائه، وكان يلتقيه عدة مرات في الشهر في قنصلية الجزائر في ليون. لكن دليل بوبكر أفسد خططه تلك ونبه أجهزة الأمن الفرنسية إلى أن علاقة قبطان ببن داود من الممكن أن تهدد التوازنات التي كان ساركوزي يستخدمها مظلة لإخفاء نواياه الخبيثة ضد الجزائريين.
العلاقة المتوترة بين عبد الحميد بن داود ودليل بوبكر جعلت الطرفين ينشغلان في الكيد لبعضهما البعض أكثر من الانشغال في الإعداد لانتخابات مجلس الديانة الفرنسية في 2003. استغل المغربيان محمد موساوي (المحسوب على النظام المغربي) والتهامي بريز (المحسوب على قطر وشيخها يوسف القرضاوي) ذلك الخلاف فحصدا الأغلبية الساحقة من مقاعد مجلس الديانة ولم يحصل الجزائريون إلا على نسبة تقل عن 20% رغم أن نسبتهم الحقيقية في الجالية الإسلامية في فرنسا تقارب 60%.
السبب الوحيد الذي يبرر استمرار النظام الجزائري في الاعتماد على دليل بوبكر وعبد الحميد بن داود رغم فشلهما الذريع في انتخابات 2003 هو نفوذهما الكبير داخل أجهزة المخابرات الفرنسية التي كانت تصر على بقائهما. لذلك ورغم هذا الفشل فإن الشخصين بقيا في منصبيهما حتى انتخابات 2008 داخل مجلس الديانة الإسلامية والتي كان الجزائريون يعلمون مسبقا أنهم سيخسرونها فقرروا مقاطعتها.
تحمس بن داود للمقاطعة كان سببه سعيه لإخفاء فشله الذريع الذي كان سيظهر بشكل أقوى لو خسر الانتخابات مرة أخرى، أما دليل بوبكر فقد نجح في إقناع ساركوزي وأمين عام الرئاسة Claude Guéant الذي أصبح بعد ذلك وزيرا للداخلية بأن المخابرات الجزائرية تمنعه من المشاركة في الإنتخابات وأنه لا يستطيع أن يفعل شيئا لأنه محاط بعملاء الجنرال توفيق. فشلت المخابرات الفرنسية في اقناع بن داود بالتدخل لدى رؤسائه لكي يغيروا موقفهم لكونه اعتذر بأن تدخلا من ذلك النوع يعني أنه سيفقد منصبه في باريس؛ منصب فقده فعلا بعد أشهر قليلة ليحصل في 2008 على منصب شكلي ليس لديه نفس الأهمية هو منصب مدير العلاقات الخارجية في الأمن الخارجي الجزائري، كما سنفصل في الحلقة الخامسة والأخيرة من هذه السلسلة.
توصلت الرئاسة الفرنسية إلى تفاهم مع دليل بوبكر مفاده ألا يدعو إلى المشاركة في انتخابات مجلس الديانة ولا إلى مقاطعتها، فعقد مؤتمرا صحفيا صرح فيه أن أعضاء ادارة مسجد باريس أحرار في الترشح إن شاءوا. تم مكافأة بوبكر على موقفه ذلك بتعيينه رئيسا لمجلس الديانة رغم أن المغاربة والإخوان كانوا يشكلون الأغلبية في قيادة المجلس.
خرج بوبكر منتصرا وخرج بن داود مهزوما رغم أن المخابرات الجزائرية خصصت له ميزانية كبيرة يدعي البعض أنها بلغت 3 ملايين أورو لتحقيق هدفه الذي فشل فيه.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*