الرئيسية » عربستان » الجزائر‎ » رحلة الجنرال علي بن داود من القاع إلى القمة إلى القاع. الحلقة الثانية
;lklklk.

رحلة الجنرال علي بن داود من القاع إلى القمة إلى القاع. الحلقة الثانية

بعد الكارثة التي حلت بتيار الجزأرة داخل الجماعة الإسلامية المسلحة على يد جمال زيتوني في نهاية 1995 حين أعدم زيتوني عددا كبيرا من قيادات التنظيم في جبال تمزغيدة بعد اجبارهم تحت التعذيب على الإعتراف بأنهم ينوون السيطرة على الجماعة. بعد تلك الكارثة شعر الجزأريون في الخارج أن جمال بائع الخضار السابق ما كان ليعرف خططهم تلك دون مساعدة من طرف أقوى وأكثر تنظيما كان في رأيهم المخابرات الجزائرية.
كان الغرور قد أصاب قيادات الجزأرة في الخارج فانساقت في سذاجة واستباق للنصر وراء مؤيدي عمليات عنف لم تكن تعلم عنها أكثر مما كانت تقرؤه في الجرائد وتشاهده في التلفزيون أو في الأشرطة المصورة العمليات المسلحة التي يتم تهريبها من الجزائر. فجأة شعر الجزأريون أنهم عاشوا خديعة كبرى دامت ما يقارب الثلاث سنوات، وقرروا ألا يردوا الضربة لجمال زيتوني بل لمن كانوا ولا يزالون يعتقدون أنه صانع جمال. جهاز المخابرات الذي روجوا كذبا أنه جنده في معتقلات الصحراء التي فتحت بعد انقلاب 1992 بعد أن صوره يمارس الشذوذ الجنسي، ومن تم أوصله إلى رأس الجماعة الإسلامية المسلحة بمساعدة أمراء المخابرات.
قد تكون الجزأرة محقة في قضية وجود أمراء زرعتهم المخابرات داخل الجماعة تلقوا تكوينهم الفكري في مصر وسوريا والسعودية واختلطوا بالمجاهدين العرب في بيشاور بباكستان؛ ولكن الجزأرة في معارضتها للنظام لم تكن تفكر في مدى دقة أو مشروعية المعلومات التي كانت تمارسها عن تورط النظام الجزائري في الحرب الأهلية. وهو ما جعلها تستخدم كل الأسلحة مشروعة أو غير مشروعة لاسقاط النظام ومن تلك الأسلحة حملة: “من يقتل من” التي أطلقتها بمساعدة حزب آيت أحمد. كانت غلطة الجزأرة الكبرى هي أنها حصرت كل انتهاكات حقوق الإنسان في النظام وأعوانه و”إسلامييه” المندسين في “العمل الجهادي” وكأن تياري الأفغان العرب والهجرة والتكفير كانا يذبحان الناس في كوكب عطارد، وكأن كل من في الجبال كانوا من خريجي ثكنات بني مسوس وبن عكنون.
عدم قدرة الجزأرة على ادانة جماعة كانت تنتمي إليها في السابق وعجزها عن التنصل من العنف الذي كانت شريكة فيه أعطت المخابرات الجزائرية فرصة من ذهب لإقناع الغرب بأن كل الإسلاميين (عدا جماعتي نحناح وجاب الله اللتين قبلتا بقواعد لعبة ما بعد الانقلاب) شركاء في الإرهاب. كانت تلك فرصة سانحة لعلي بن داود الذي أرسل إلى جنيف ليعمل في بعثة الجزائر في الأمم المتحدة بصفة مستشار سياسي.
لم يكن تعيين بن داود ليتم لولا عزل الجنرال فضيل سعيدي من إدارة الأمن الخارجي في المخابرات وإرساله إلى ورقلة قائدا للناحية العسكرية الرابعة قبل اغتياله في حادث مرور مشبوه على يد الجنرالين توفيق واسماعيل العماري مباشرة بعد تعيين الجنرال ليامين زروال له مسؤولا عن أمن الجيش؛ وهي خطوة أراد منها زروال ومستشاره بتشين الإعداد لرحيل توفيق واسماعيل بشكل تدريجي لكنه لم يفلح فيها لرفضه الإستعانة بأمريكا لترويض الذئاب الشرسة التي كانت تحيط به كما فعل بوتفليقة ذلك بعده.
وصلت تقارير عن الاتصالات المشبوهة بين بن داود والمخابرات الفرنسية إلى مكتب سعيدي وكان على وشك التحقيق معه واتخاذ اجراءات صارمة تجاهه لولا عزله وإرساله إلى الصحراء قبل اغتياله.
بتوجيه وإشراف مباشر من جنرالات فرنسا محمد مدين واسماعيل العماري، استخدم بن داود علاقاته التي ساعدته المخابرات الفرنسية على نسجها مع الانتليجنسيا الفرنسية والجزائرية فأصبح يرتب لزيارات أكثر المثقفين حماسا للعلمانية وكرها للإسلام السياسي أو حتى للإسلام، وكان من هؤلاء صهاينة معروفون مثل برنارد هنري ليفي وأندري غلوكسمان اللذان زارا الجزائر في نفس فترة وقوع مجازر الرايس وبن طلحة وحد الشكالة وعادا إلى فرنسا ليكذبا أطروحة “من يقتل من” وينسبا كل انتهاكات حقوق الإنسان للإسلاميين.
استقدم عبد الحميد بن داود مثقفين جزائريين معادين للإسلام ليتحدثوا في الإعلام السويسري عن فظاعة الإسلاميين الذين يقاتلهم نظام يحارب من أجل الديمقراطية والمبادئ الجمهورية؛ كان من هؤلاء مالك شبال وبن مالك أنور وسليمان زغيدور وكانوا كلهم يكتبون ويفكرون بالفرنسية.
كان بن داود على اتصال دائم بمفكر المخابرات الفرنسية المتخصص في الحركات الإسلامية جيل كابل، واستهوته نظرية كابل السخيفة التي تنبأت بانقراض الإسلام السياسي قبل أن يثبت الربيع العربي سخفها وبلاهتها.
كما كان على اتصال بصهيب بن شيخ الإبن الأصغر لعباس بن الشيخ أول سفير للجزائر في السعودية وابن عم زوجة عبد القادر بن صالح رئيس مجلس الأمة الحالي. صهيب كان يبشر لإسلام علماني يناسب الغرب لذلك كان مسموعا في دوائر القرار في دول أوروبا الخائفة من “الخطر” الإسلامي، وهو ما جعل عبد الحميد بن داود يدعوه إلى سويسرا على نفقة المخابرات لتقديم شهادة في مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة تبرأ النظام من المجازر التي أثارت ضجة في ذلك الوقت وتلصقها في الإسلاميين وحدهم.
لكن وبعد أكثر من ثلاث سنوات قضاها بن داود في جنيف من نهاية 1995 إلى بداية 1999 لم ينجح رغم ذلك في اقناع السلطات السويسرية بطرد مراد دهينة ورفاقه في الجزأرة رغم كل التسهيلات التي قدمها له عبد المالك قنايزية سفير الجزائر في سويسرا وصالح دمبري سفيرها في فرع الأمم المتحدة في جنيف.
فشل بن داود في مهمتيه الرئيسيتين وهما اقناع سويسرا بطرد الإسلاميين وتبرئة النظام من المجازر جعله يلعب في ساحة أخرى: ساحة التملق للجنرالات وتوفير الراحة لهم في منتجعات سويسرا الفاخرة.
أصبح بن داود سائق تاكسي ينتظر ساعات في مطار جنيف لينقل المسؤولين المهمين إلى إقاماتهم في سويسرا. أصبح كذلك موظف عقارات يبحث لهم عن أفضل الشقق وخبيرا تربويا يساعد أبناءهم على التسجيل في المعاهد السويسرية، وكان من هؤلاء نبيلة بنت العربي بلخير التي كانت تدرس السياحة في جنيف بمنحة من الدولة الجزائرية قبل أن تعود إلى الجزائر وتشرف على قسم العلاقات العامة في شيراتون الجزائر فور تدشينه عام 1999.
كان من حسن حظ جنرال المخابرات المعزول أن علاقته بالرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة كانت جيدة. وكان سبب ذلك هو أن قنايزية ودمبري أوصياه بألا يتأخر في تلبية أي طلب يأتيه ممن رشحه الجيش لحكم البلاد مرتين.
العلاقة الجيدة تلك أنقذت بن داود من تقاعد مبكر كان سببه تهديده ضابط شرطة سويسري بالسلاح ما جعل سويسرا تطلب من الجزائر سحبه. لكن الأقدار شاءت أن يصل بوتفليقة إلى الحكم في أفريل 1999 ويأمر توفيق بإرساله إلى فرنسا ممثلا للمخابرات هناك، وهذا موضوع حلقتنا القادمة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*