الرئيسية » عربستان » الجزائر‎ » رحلة الجنرال علي بن داود من القاع إلى القمة إلى القاع. الحلقة الأولى
1392128900

رحلة الجنرال علي بن داود من القاع إلى القمة إلى القاع. الحلقة الأولى

خاص:
ثلاثة أيام قبل اقالة الجنرال عبد الحميد بن داود المدعو علي، صهر الوزير الأول الجزائري عبد المالك سلال، والنائب الأول للجنرال توفيق باعتباره مدير الأمن الداخلي في المخابرات الجزائرية؛ وصلتنا في مجلة السياق العربي وثيقة مكتوبة باللغة الفرنسية يبدو من دقة كثير من المعلومات التي ورد فيها أن محررها عمل وربما لا يزال يعمل في ذلك الجهاز الغامض المسمى “دائرة الإستعلام والأمن” DRS.
الوثيقة التي نلخصها ونترجمها إلى العربية لم تكتب على شكل تقرير استخباراتي بقدر ما كتبت على شكل مذكرات ذات لغة أدبية، وقد قمنا في التلخيص الذي سننشره على حلقات باستخلاص المعلومات التي رأينا أنها تبدو جديدة وصحيحة كما قمنا بحذف كل ما شككنا في عدم صحته أو في كونه آراء شخصية لمحرر الوثيقة لا وقائع حادثة.
في مقالنا هذا سوف نستعرض مسيرة الجنرال علي بن داود (أو عبد الحميد وهو اسمه الحقيقي) منذ التحق بالقوات البرية في الجيش الجزائري ثم بالمخابرات حتى عمله في سفارة الجزائر في باريس مندوبا لدائرة الإستعلام والأمن التي قضى فيها ما يقارب العشر سنوات ليغادر فرنسا إلى الجزائر ويعمل في دائرتي الأمن الخارجي والداخلي عدة سنوات حتى تعيينه في سبتمبر 2013 مديرا لجهاز الأمن الداخلي ذلك الجهاز الذي سبقه إليه خلال سنوات الحرب الأهلية بين النظام وبين الإسلاميين اسماعيل العماري وأحمد خرفي وبشير طرطاق.
وسنحاول أن نشرح لكم في حلقات هذا المقال أسباب صعود الجنرال بن داود بسرعة وأسباب سقوطه المهين بسرعة أكبر قبل أن يقطف ثمار الشجرة الخبيثة التي غرسها هو وصهره عبد المالك سلال.
تقول الوثيقة التي بين يدينا إن تقارير أساتذة بن داود في ثانوية ابن الهيثم التقنية في العناصر (بلدية محمد بلوزداد في العاصمة) التي درس فيها الجنرال المعزول، كانت دائمة سيئة؛ وإنه كان كثيرا ما يوصف من قبل معلميه في تقاريرهم الدورية بأنه تلميذ كسول لا هم له إلا معاكسة التلميذات اللواتي كن في الغالب يقدمن شكاوى ضده إلى ادارة الثانوية. ربما لذلك قرر عبد الحميد بن داود بعد ذلك الالتحاق في نهاية السبعينات بالجيش بدل العمل في أية وظيفة يطمح إليها أقرانه، خصوصا وأن العمل كعسكري سيعطيه فرصة لاستخدام نفوذه من أجل اشباع نزواته المريضة وشهواته الحيوانية.
في بداية الثمانينات تقدم عبد الحميد بن داود إلى مسابقة للالتحاق بجهاز الأمن العسكري الذي كان يشرف عليه آنذاك العقيد قاصدي مرباح. بلادة بن داود وانتهازيته مع اتقانه للنفاق والكذب كما كان يظهره ملفه العسكري وسلوكه الشخصي لفتا انتباه ضابطين ساميين في المخابرات أحدهما احتقر بن داود والآخر راى فيه صيدا ثمينا.
كان الضابط الذي رأى في بن داود حشرة سامة لا بد من ابعادها من جهاز المخابرات الذي كان رغم ممارسته للقمع جهازا وطنيا هو الرائد مبارك التبسي ابن العربي التبسي شيخ جمعية العلماء المسلمين الذي تقاعد سنوات بعد ذلك برتبة عقيد بعد أن أبعده ضباط فرنسا الذين مكن لهم الشاذلي بن جديد.
أما الضابط الذي نجح في اجهاض قرار مبارك التبسي رفض ترشح بن داود للمخابرات فكان الرائد جيلالي ميراو الذي اغتيل في بداية عام 1995 حين كان مديرا لقسم الإتصال في المخابرات وكان برتبة جنرال. جيلالي ميراو المعروف بالجنرال صالح رأى في بن داود نسخة طبق الأصل منه، فكلاهما بارعان في نفاق المسؤولين، وكلاهما يتقنان فن الكذب وقلب الحقائق وكلاهما كان على صلة بالمخابرات الفرنسية، جيلالي منذ الثمانينات وبن داود منذ التسعينات.
بن داود أحسن استخدام علاقاته التي أصبحت مميزة بأبيه الروحي جيلالي ميراو وتمكن من خلاله من الوصول إلى أهم صناع القرار من ضباط فرنسا في المخابرات والرئاسة ليساعده بعد ذلك الجنرالات العربي بلخير ومحمد تواتي وإسماعيل العماري على المشاركة في أهم دورات التكوين الاستخباراتية خصوصا في فرنسا التي أصبح علي بن داود يتردد عليها بحجة المشاركة في ندوات ومؤتمرات متخصصة عن الإسلام السياسي.
للانتهازية جانب ايجابي واحد هو قدرة الانتهازي على تصيد فرص النجاح ومنافسة من يتفوقون عليه بتقديم تنازلات غير شريفة يعجز الأذكياء الشرفاء عن تقديمها. لذلك فقد ساعدت الانتهازية بن داود على اختيار الشخصيات والأوقات المساعدة له على النجاح خصوصا وأن جهاز المخابرات تم اختراقه في تلك الفترة بشكل غير مسبوق على يد ضباط المخابرات الفرنسية الذين أصبحوا يجندون شبابا في المخابرات الجزائرية يتم اقناعهم بالامتيازات التي سيحصلون عليها خصوصا الترقية السريعة التي يساعدهم عليها الفريق النافذ للرئيس الفرنسي فرانسوا ميتيران في قصر المرادية وأهم أعضاء هذا الفريق كان Hubert Védrine.
بن داود باع نفسه للشيطان فقبض الثمن، في نهاية الثمانينات تم تعيينه وهو برتبة نقيب في المكتب العسكري الجزائري في باريس بتوصية من الجنرال العربي بلخير. نفس أسلوب بن داود في النفاق وتصيد الفرص لفت انتباه ضباط المخابرات الفرنسية فأصبحوا يدعونه بشكل مستمر للقائهم. وفي 1989 اقترح أحد الضباط الفرنسيين اسمه على قيادته لحضور اجتماع جزائري فرنسي هدفهمواجهة الأصولية الإسلامية، حضره تيجاني هدام عميد مسجد باريس الذي اصبح بعد انقلاب 1992 أحد خمسة يحكمون الجزائر تحت امرة الجنرال خالد نزار والشهيد المخدوع محمد بوضياف.
بن داود استهوته لعبة التخصص في الشأن الإسلامي خاصة وأنه يستطيع استخدامها كما يشاء، فإذا وصل الإسلاميون إلى السلطة فإن علاقته بهم سوف تمنحه فرصة الترقي بسرعة كما فعل الجنرال عبد الفتاح السيسي ذلك بعده بسنوات في مصر. وإذا لم يصلوا رغم شعبيتهم فإنه من المؤكد أنهم سيتجهون إلى العنف مرة أخرى مكررين تجربة مصطفى بويعلي مما يجعله قادرا على لعب دور استخباراتي مهم مع القوي لمواجهة الضعيف. كان ذائما يريد اللعب على الحبلين كما كتبت تقارير مسؤوليه عنه.
ولأن نظام الجزائر في تلك الفترة كان على يقين بأن هزيمته أو نصره ليست بيد الإرادة الشعبية فإنه كان يعمل جاهدا على استمالة الغرب إلى جانبه في معركته ضد من كان يسعى إلى إقناع الغرب بأنهم أعداء له أيضا. كان أهم الناشطين ضد هذا النظام في الغرب هم أعضاء تيار الجزأرة الذي تحالف في تلك الفترة مع الجماعة الإسلامية المسلحة داخل ما سمي بالحكومة الإسلامية التي كان يرأسها الشريف قوسمي، لذلك وجب محاصرة راسي الجزأرة: أنور هدام في أمريكا ومراد دهينة في سويسرا التي أرسل إليها عبد الحميد بن داود للعمل في ممثلية الجزائر بالأمم المتحدة في جنيف وذلك موضوع حلقتنا الثانية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*